الصفحة 37 من 233

وقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ في الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْها وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيْها ) (38) )وهو معكُمْ أينَمَا كنتُمْ واللهُ بما تعمَلُونَ بصيرٌ ( وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ويَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ ومَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها ولاَ حَبَّةٍ في ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبينٍ ) . [1]

(1) قولُه: (ويَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ) : أي القِفارِ من النَّباتِ والدَّوابِّ وغيرِ ذلك.

قولُه: (وَالبَحْرِ) أي يعلمُ ما فيه من الحيواناتِ والجواهِرِ ونحوِ ذلك.

قولُه: (ومَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ) : أي من أشجارِ البرِّ والبحرِ وغيِرِ ذلك.

قولُه: (إِلاَّ يَعْلَمُها) : سُبْحَانَهُ.

قولُه: (ولاَ حَبَّةٍ في ظُلُمَاتِ الأَرْضِ) : من حبوبِ الثِّمارِ، والزُّروعِ وغيِرِ ذلك.

قولُه: (وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ) : هذا عمومٌ بعدَ خصوصٍ.

قولُه: (إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبينٍ) : أي مكتوبٍ في اللَّوحِ المحفوظِ، لأنَّ اللهَ كَتَبَ علمَ ما يكونُ وما قَدْ كانَ قبلَ أَنْ يخلقَ السَّماواتِ والأرضَ، فجميعُ الأشياءِ صغيِرِها وكبيرِها مثبتةٌ في اللَّوحِ المحفوظِ على ما هي عليه، فتقعُ جميعُ الحوادثِ طِبقَ ما جَرى به القلمُ، وهذا أَحَدُ مراتبِ القضاءِ والقدرِ، فإنَّها أربعُ مراتبَ: علمُه -سُبْحَانَهُ- الشَّاملُ لجميعِ الأشياءِ، وكتابُه المحيطُ بجميعِ الموجوداتِ، ومشيئتُه العامَّةُ الشَّاملةُ لكلِّ شيءٍ، وخلقُه لجميعِ المخلوقاتِ، وسيأتي الكلامُ على هذا إنْ شاءَ اللهُ في الكلامِ على القدرِ.

ففي هذهِ الآيةِ إثباتُ صفةِ العلمِ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- كما يليقُ بجلالِه وعظمتِه، وهي مِن الصِّفاتِ الذَّاتيَّةِ، وفيها الرَّدُّ على المعتزلةِ حيثُ قالوا: إنه عالمٌ بلا علمٍ، وفيها إثباتُ إحاطَةِ علمِه بكلِّ شيءٍ، فلا يَخْفى عليه خافيةٌ، وأنَّه يعلمُ الكُلِّيَّاتِ والجُزئيَّاتِ، ويعلمُ كلَّ شيءٍ، ما كانَ وما يكونُ وما لم يكنْ لو كانَ كيفَ يكونُ، كما قالَ سُبْحَانَهُ: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ) وقال تعالى: (وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ) وفي هذهِ الآيةِ الرَّدُّ على مَن زَعَمَ أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يعلمُ الغيبَ، فهي صريحةٌ في أنَّ هذه الخمسَ لا يعلمُها إلا اللهُ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- كما تقدَّمَ الحديثُ الَّذي في الصَّحيحين أنَّهُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلا اللهُ ... . لا يَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ إِلا اللهُ ) )الحديثَ.

وقالَ القُرطبيُّ رحمهُ اللهُ: لا مَطمعَ لأحدٍ في علمِ شيءٍ من هذهِ الأمورِ الخمسةِ. اهـ. والمرادُ بالغيبِ المشارِ إليه هو الغيبُ المطلقُ: وهو مالا يعلمهُ إلا اللهُ، لا الغيبُ المقيَّدُ: وهو ما عَلِمَه بعضُ المخلوقاتِ دونَ بعضٍ، فهو غيبٌ بالنِّسبةِ لمَن لم يعلمْهُ دونَ من عَلِمَه، فيكونُ غيبًا عَمَّنْ غابَ عنه من المخلوقِين، لا عَمَّن شهِدَهُ، فتلخَّص أنَّ الغيبَ ينقسمُ إلى قِسمين: مطلقٍ، ومقيَّدٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت