الصفحة 36 من 233

وَقَوْلُهُ: ( وهُوَ الحَكِيْمُ الخَبِيْرُ ) . [1]

(1) قولُه: (الحكيمُ) : أي الحاكمُ بينَ خلقِه بأمرِه الدِّينيِّ الشَّرعيِّ، وأمرِه الكونيِّ القدريِّ، الَّذي لَهُ الحكمُ في الدُّنْيَا والآخرةِ، كما قال تعالى: (وَمَا اختلفتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) وقال تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) فهو -سُبْحَانَهُ- الحَكَمُ، والحاكِمُ بين خلقهِ في الدُّنْيَا والآخرةِ، يحكمُ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- في الدُّنْيَا بِوَحيِهِ الَّذي أنزلَهُ على الأنبياءِ والرُّسلِ، ويحكمُ يومَ القيامةِ إذا نزلَ لفصلِ القضاءِ بين العبادِ، والحكيمُ: المحكِمُ المُتقِنُ للأشياءِ، الَّذي يضعُ الأشياءَ مواضِعَها، والَّذي له الحكمةُ التَّامَّةُ في خلقِهِ وأمرِه، فعليه يكونُ للحكيمِ معنيانِ:

الأوَّلُ: بمعنى المحكمِ المتقنِ للأشياءِ, والإحكامُ يكونُ في شرعِه وأمرِه، وفي خلقِه وقدَرِه، وكُلٌّ منهما مُحكَمٌ من وجهينِ: الأوَّلِ: وجودُه على صورَتِهِ المُعَيَّنَةِ.

الثَّاني: في غايتِه المحمودةِ الَّتي يَتَرَتَّبُ عليها.

وأمَّا حكمُه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- فينقسمُ إلى قسمينِ:

الأوَّلِ: حُكمٌ كونيٌّ قَدَرِيٌّ، كقولِهِ: (فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ) .

الثَّاني: حكمٌ دينيٌّ شرعيٌّ، كقولِهِ: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ - إلى قولِه - إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) .

والحكمةُ وضعُ الأشياءِ مواضعَها.

قال ابنُ القيِّمِ في (( المدارجِ ) ): الحكمةُ حكمتانِ: عِلْمِيَّةٌ، وَعَمَلِيَّةٌ، فالعلميَّةُ: الاطِّلاعُ على بواطنِ الأشياءِ، ومعرفةُ ارتباطِ الأسبابِ بمسبَّباتِها خلقًا وأمرًا، قدرًا وشرعًا، والعمليَّةُ: وضعُ الشَّيءِ في موضِعِه. انتهى.

وحكمتُه -سُبْحَانَهُ- صفةٌ قائمةٌ به، كسائرِ صفاتِه من سمعِه وبصرِه وعلمِه وقدرتِه ونحوِ ذلك، وهي تنقسمُ إلى قسمينِ: إحدَاها: حكمةٌ في خلقِه وهي نوعانِ:

الأوَّلُ: إحكامُ هذا الخلقِ وإيجادُه في غايةِ الإحكامِ والإتقانِ.

والثَّاني: صدورُه لأجلِ غايةٍ محمودةٍ مطلوبةٍ له -سُبْحَانَهُ- الَّتي أَمَرَ لأجلِها وخَلَقَ لأجْلِها.

الثَّانيةُ: الحكمةُ في شرعِه، وتنقسِمُ أيضًا إلى قسمينِ: الأوَّلِ: كونِها في غايةِ الإحسانِ والإتقانِ. والثَّاني: كونُها صدرتْ لغايةٍ محمودةٍ وحكمةٍ عظيمةٍ يستحقُّ عليها الحمدَ.

قال في (( المنهاجِ ) ): أجمعَ المُسلمون على وصفِه -سُبْحَانَهُ- بالحكمةِ، وتنازَعوا في تفسيرِ ذلك، فقالَ الجمهورُ من أهلِ السُّنَّةِ وغيِرِهم: هو حكيمٌ في خلقِه وأمرِه، والحكمةُ تتضمَّنُ ما في خلقِه وأمرهِ من العواقبِ المحمودةِ، والغاياتِ المحبوبةِ، والجمهورُ يقولون: لامُ التَّعليلِ داخلةٌ في أفعالِ اللهِ وأحكامِه. انتهى.

فاسمُه الحكيمُ فيه إثباتُ الحكمةِ، والحِكمةُ تتضمَّنُ كمالَ علمِه وخبرتِه، وأنَّه أمرٌ ونهيٌ، وخلقٌ وقدرٌ لِما له في ذلك من الحكمِ والغاياتِ الحميدةِ الَّتي يستحقُّ عليها كمالَ الحمْدِ، والإحكامُ الَّذي في مخلوقاتِه دليلٌ على علمِه، وإنَّما يدلُّ إذا كان الفاعلُ حكيمًا يفعلُ الحكمةَ. انتهى. مِن كلامِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ.

والحكمُ معناه لغةً: المنعُ، وشرعًا: هو خِطابُ اللهِ المتعلِّقُ بأفعالِ المكلَّفينَ اقتضاءً أو تخييرًا، وينقسمُ الحكمُ بالنسبةِ إلى الرِّضا به وعدمِه إلى أقسامٍ: قسمٍ يجبُ الرِّضا به والانقيادُ والاستسلامُ له، وهو الحُكمُ الدِّينيُّ الشَّرعيُّ، قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) الآيةَ، وأمَّا الحُكمُ الكونيُّ القدريُّ فمنه ما يُستحبُّ الرِّضا به، كالرِّضا بالفقرِ، والعاهةِ، والأمراضِ، ونحوِ ذلك، ومنه ما يحرمُ الرِّضا به كالرِّضا بالكفرِ، والمعصيةِ، ونحوِ ذلك.

وأمَّا اسمُه -سُبْحَانَهُ- الخبيرُ، فمعناه الَّذي انتهى علمُه إلى الإحاطةِ ببواطنِ الأشياءِ وخفاياها، كما أحاطَ بظواهِرِها. انتهى من (( الصَّواعقِ ) ).

يقالُ: خبرتُ الأمرَ أخبُره إذا عرفتُه على حقيقتِه.

(38) قولُه: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ) : أى يدخلُ، قال وَلَجَ يَلِجُ، أي دَخَلَ يَدْخُلُ، أى يعلمُ ما يَدْخُلُ فيها، أي في الأرضِ من القطرِ والبذورِ والكنوزِ والمَوْتى وغيرِ ذلك.

قولُه: (مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) : أي من الأرضِ من النباتِ والمعادِنِ.

قولُهُ: (وَمَا يَنْزِلُ مِن السَّمَاءِ) : من المطرِ والملائكةِ.

قولُه: (وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا) : أي يَصعدُ في السَّماءِ.

قولُهُ: (وَهُوَ مَعَكُمْ) سَيَأْتِى الكلامُ على المعيَّةِ.

قولُه: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ) أى خَزائنُه، أو الطُّرقُ الموصلةُ إلى عِلمِه.

قولُه: (لاَ يَعْلَمُهَا إلاَّ هُو) : قال المناوِيُّ رحمه اللهُ: فَمن ادَّعى علمَ شيءٍ منها كَفَرَ، وَمفاتحُ الغيبِ هى الخمسةُ المذكورةُ

في قولِه -سُبْحَانَهُ وتعالَى-: (إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا َتَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) كما رَواه البُخَارِيُّ في صحيحِه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت