الصفحة 45 من 233

وَقَوْلُهُ ( وأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ) . [1]

وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ( فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقْيِموا لَهُم إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ) ،وَقَوْلُهُ ( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِيْنَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرينَ ) . [2]

(1) قولُه: (وأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ) : أي اعدلُوا في معاملاتِكم، وأحكامِكم مع القريبِ والبعيدِ، يقالُ: أَقْسَطَ بمعنى عدلَ، وقَسَطَ بمعنى جارَ، قال تعالى: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) ومن أسمائِه سُبْحَانَهُ: المُقْسِطُ أي العادلُ، ففي هذه الآيةِ الحثُّ على العدلِ وفضلِه، وأنَّه سببٌ لمحبَّةِ اللهِ، وأنَّ العدلَ في الرَّعيَّةِ من أفضلِ القُرَبِ، سواءٌ كانتْ رعيَّةً عامَّةً كالحاكمِ، أوِ خاصَّةً كعدلِ آحادِ النَّاسِ في بيتِه وولدِهِ، كما في الحديثِ: (( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رعيَّتِه ) )وفي صحيحِ مُسلمٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو عن النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أنَّه قال: (( إِنَّ المُقْسِطِينَ عَلى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمينِ الرَّحْمنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا ) )وفي التِّرمذيِّ عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رَضِي اللهُ عَنْهُ عن النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( إِنَّ أَحَبَّ العِبَادِ إِلى اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَأَدْنَاهُمْ إِليْهِ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ ) ).

(2) قولُه: (فَمَا استقامُوا) : (( ما ) )شرطيَّةٌ، أي ما استقامَ لكم المُشركونَ على العهدِ ولم ينقضُوه فاستقِيموا لهم على الوفاءِ به.

قولُه: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ) : أي المتَّقين للذِّنوبِ والمعاصِي، والتَّقوى: هي التَّحرُّزُ بطاعةِ اللهِ عن معصيتِه، فهي كلمةٌ جامعةٌ لفعلِ المأموراتِ، وتركِ المنهِيَّاتِ. قالَ طلقُ بنُ حبيبٍ: التَّقوى: أنْ تَعبُدَ اللهَ، على نورٍ من اللهِ، ترجُو ثوابَ اللهِ، وأنْ تَتركَ معصيةَ اللهِ، على نورٍ من اللهِ، تخافُ عِقابَ اللهِ. في هذه الآيةِ الحَثُّ على الوفاءِ بالعهدِ وتحريمُ الغدرِ، وفيها فضلُ التَّقوى والحثُّ عليها، وفيها إثباتُ محبَّةِ اللهِ.

قولُه: (( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) : أي من الذُّنوبِ والمعاصي، والتَّوَّابُ: هو الَّذي كُلَّما أَذْنَبَ تَابَ، يُقالُ: تابَ يتوبُ أي: رجعَ، وتَوَّابٌ كثيرُ التَّوبةِ، وتوَّابٌ من أسماءِ اللهِ -سُبْحَانَهُ- وتعالى، أي كثيرُ التَّوبةِ على عبادهِ، وتابَ على العبدِ ألهمه التَّوبةَ وقَبِلَ توبَتهُ.

قال ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ: والعبدُ توَّابٌ واللهُ تَوَّابٌ، فتوبةُ العبدِ رجوعُه إلى سيِّدِه بعد إباقٍ، وتوبةُ اللهِ نوعانِ: إذنٌ وتوفيقٌ، وقبولٌ واعتدادٌ. ا هـ.

فالتَّوبةُ لغةً: الرُّجوعُ. يُقالُ: تابَ وآبَ وأنابَ وثابَ، كلُّها بمَعْنى رجعَ.

وشرعًا: الرُّجوعُ عن الذَّنبِ، وهي واجبةٌ من جميعِ الذُّنوبِ على الفورِ، قالَ اللهُ تعالى: (وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ) والآياتُ والأحاديثُ في الأمرِ بالتَّوبةِ والحثِّ عليها كثيرةٌ جدًّا، وتصحُّ التَّوبةُ من بعضِ الذُّنوبِ دونَ بعضٍ، وللتَّوبةِ ثلاثةُ شروطٍ:

الأوَّلِ: النَّدمُ على ما فاتَ، والثَّاني: العزمُ على أَنْ لا يعودَ، والثَّالثِ: الإقلاعُ عن الذَّنبِ، فإن كانتِ التَّوبةُ من حقوقِ الآدميِّين اشتُرِطَ شرطٌ رابعٌ: وهو الخروجُ عن تلك المظلِمةِ واستحلالُه إنْ كانتْ غيبةً، وللتَّوبةِ أيضًا شرطٌ خامسٌ: وهو أنْ يتوبَ قبلَ الغرغرةِ، كما في الحديثِ الصَّحيحِ: (( إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لمْ يُغَرْغِرْ ) ). وأمَّا في حالةِ الغرغرةِ وهي حالةُ النَّزعِ فلا يقبلُ توبتَهُ، وأمَّا التَّوبةُ النَّصوحُ فهي الخالصةُ الَّتي لا يختصُّ بها ذنبٌ دونَ ذنبٍ، وقيلَ إنَّ التَّوبةَ النَّصوحَ هي أَنْ يتركَ الذَّنبَ ثمَّ لا يعودُ إليه، كما لا يعودُ اللبنُ في الضَّرْعِ.

قولُه: (ويُحِبُّ المُتَطَهِّرينَ) أي عن الذُّنوبِ والمعاصي، وعن الأحداثِ والنَّجاساتِ.

فالطَّهارةُ لغةً: النَّزاهةُ والنَّظافةُ عن الأقذارِ حِسِّيَّةً كانت أو معنويَّةً، فالحسِّيَّةُ كالطَّهارةِ عن الأحداثِ والنَّجاساتِ، والمعنويَّةُ كالطَّهارةِ عن الذُّنوبِ والمعاصي، والآيةُ شاملةٌ عامَّةٌ حاثَّةٌ على الطَّهارتينِ، وفي حديثِ أبي مالكٍ الأشعريِّ الَّذي رواه مسلمٌ: (( الطُّهورُ شَطْرُ الإِيمَانِ ) )الحديثَ. وتقديمُ التَّوابينَ على المتطهِّرينَ من بابِ تقديمِ السَّببِ على المسبَّبِ؛ لأنَّ التَّوبةَ سَبَبُ الطَّهارةِ. أفاده ابنُ القيِّمِ في (( بدائعِ الفوائدِ ) ).

ففي هذه الآياتِ المتقدِّمةِ إثباتُ محبَّتِهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- كما يليقُ بجلالِه وعظمتِه، خلافًا للمبتدعَةِ من جهميَّةٍ ومعتزلةٍ, الَّذين أنْكروا محبَّتَه سُبْحَانَهُ، وهم في الحقيقةِ مُنكرون للإلهيَّةِ، فإنَّ الإلهَ هو المألوهُ الَّذي تألهُهُ القلوبُ محبَّةً وإجلالًا وخوفًا وتعظيمًا.

قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ: في هذه الآياتِ إثباتُ محبَّةِ اللهِ، وهي على حقيقتِها عند سلفِ الأمَّةِ ومشائِخِها. وأوَّلُ مَن أنكرَ حقيقتَها شيخُ الجهميَّةِ الجعدُ بنُ درهمٍ، فهو أوَّلُ مَن ابتدعَ هذا في الإسلامِ، في أوائلِ المائةِ الثَّانيةِ، فضحَّى به خالدُ بنُ عبدِ الله القسريُّ أميرُ العراقِ والمشرقِ بواسطَ. خطبَ النَّاسَ يومَ الأضحى فقالَ: يا أيُّها النَّاسُ ضَحُّوا تقبَّلَ اللهُ ضحاياكم، فإنَّي مُضحٍّ بالجعدِ بنِ درهمَ، فإنَّه زعمَ أنَّه لم يتَّخذْ إبراهيمَ خليلًا ولا كلَّمَ موسى تكليمًا، ثمَّ نزلَ وذبحَه، وكان ذلك بِفَتوى أهلِ زمانِه من عُلماءِ التَّابعين رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، وأخذَ هذا المذهبَ عن الجعدِ بنِ درهمٍ: الجهمُ بنُ صفوانَ، فأظهرَه وناظرَ عليه، وإليه أُضيفَ قولُ الجهميَّةِِ فقتلهُ سلمُ بنُ أجوزَ أميرُ خُراسانَ بها، ثمَّ انتقلَ ذلك إلى المعتزلةِ أتباعِ عمرِو بنِ عبيدٍ، وظهَرَ قولُهم في أثناءِ خلافةِ المأمونِ، حتَّى امتحنَ أئمَّةَ الإسلامِ ودَعوهم إلى الموافقةِ على ذلك؛ وأصلُ ذلك مأخوذٌ عن المشركينَ والصَّابئةِ وهم يُنكرون أنْ يكونَ إبراهيمُ خليلًا، لأنَّ الخُلَّةَ هي: كمالُ المحبَّةِ المستغرقةِ للمحبِّ كما قيل:

قد تخلَّلتَ مسلكَ الرَّوحِ مِنِّي وبذا سُمِّيَ الخليلُ خليلًا

ولكنَّ محبَّتَه وخُلَّتَه كما يليقُ به كسائرِ صفاتِه. اهـ.

والَّذي يُوصفُ به -سُبْحَانَهُ وتعالَى- من أنواعِ المحبَّةِ: الإرادةُ والودُّ والمحبَّةُ والخُلَّةُ كما ورَد النَّصُّ. من (( شرحِ الطَّحاويَّةِ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت