الصفحة 26 من 233

صِرَاطُ الَّذينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهَداءِ والصَّالِحينَ. [1]

(1) قولُه: (صراطُ) : بَدَلٌ من الصِّراطِ الأوَّلِ، أي طريقُ المُنْعَمِ عليهم، قال تعالى في سورةِ الفاتحةِ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) وهؤلاءِ هم المذكورون في قولِه -سُبْحَانَهُ وتعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) والنِّعْمةُ: بكسرِ النَّونِ الإحسانُ وبالضمِّ المَسَرَّةُ وبالفتحِ المتعةُ من العَيْشِ اللَّيِّنِ.

قوله: (أنعمَ اللهُ عليهِم) : أي أنعمَ عليهِم الإنعامَ المطلقَ التَّامَّ، وهي النِّعمةُ المتِّصلةُ بسعادةِ الأبدِ، وهي نعمةُ الإسلامِ والسُّنَّةِ، وهي الَّتي أمرنَا اللهُ أنْ نسألَهُ أنْ يهديَنا صراطَ أهلِها، ومَن خَصَّهُمْ بها، وجعلَهُم أهلَ الرَّفيقِ الأعلى، كما قالَ تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ) الآيةَ، فهؤلاءِ الأصنافُ الأربعةُ هم أهلُ هذه النِّعمةِ المُطْلَقَةِ وأصحابُها هم المَعْنِيِّونَ بقولِه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِِسْلاَمَ دِينًا) فأضافَ إليهم الدِّينَ، إذ هم المُخْتَصُّون بهذا الدِّينِ القيِّم دونَ سائرِ الأُممِ، وأمَّا مُطْلَقُ النِّعْمَةِ فعلى المؤمنِ والكافرِ، فكلُّ الخلقِ في نعمتِه، فالنِّعمةُ المطلقَةُ لأهلِ الإيمانِ، ومطلقُ النِّعمةِ يكونُ للمؤمنِ والكافرِ. انتهى، ذكره ابنُ القيِّمِ.

وفي قولِه: (الَّذِينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِم) تنبيهٌ على الرَّفيقِ في هذا الطَّريق، وأنَّهم هم الَّذين أنعمَ اللهُ عليهم من النَّبيِّين والصِّدِّيقينَ والشُّهداءِ والصَّالحين، ليزولَ عن سَالِكِ هذا الطَّريقِ وَحْشَةُ التَّفَرُّدِ عن أهلِ زمانِه، وبَنِي جِنْسِهِ، إذا اسْتَشْعَر أنَّ رفيقَهُ في هذا الصِّراطِ هم الأنبياءُ والشُّهداءُ والصَّالحون.

قالَ بعضُ السَّلفِ: لاتستوحشْ من الحقِّ لِقِلَّةِ السَّالِكِينَ، ولاتَغْتَرَّ بالباطلِ لكثرةِ الهالكينَ، وقال تعالى: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) ، وقال: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) .

قال الشَّيخُ محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ في كتابِهِ (( في مَسَائِل التَّوْحِيدِ ) ): وفيه عمقُ عِلْمِ السَّلفِ وهو عدمُ الاغترارِ بالكثرةِ وعدمُ الزُّهدِ في القلَّةِ. انتهى.

والصِّراطُ تارةً يُضافُ إلى اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالى، إذ هو الَّذي شَرَعَهُ ونَصَبَهُ، كقولِه: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) وتارةً يُضافُ إلى العبادِ لكونِهِم أهلَ سلوكِه، أفادَه ابنُ القيِّمِ.

وفي قولِه: (الَّذين أنعمَ اللهُ عليهم) إشارةٌ إلى أنَّهم إنَّما استحقُّوا هذا الإنعامَ المطلقَ بسببِ سلوكِهم هذا الصِّراطَ، وفيه إشارةٌ إلى وجوبِ توحيدِ هذا الصِّراطِ بالسُّلوكِ، وأنْ لا صراطَ موصلٌ للسَّعادةِ سوى هذا الصِّراطِ.

قال ابنُ القيِّمِ في (( الكافيةِ الشَّافيةِ ) ):

فَلِواحِدٍ كنْ واحدًا في واحدٍ أعني سبيلَ الحقِّ والإيمانِ

قال ابنُ القيِّمِ رحمَه اللهُ تعالى في كتابِه (( مدارجِ السَّالكين ) ): والهدى التَّامُّ يتضمَّنُ توحيدَ المطلوبِ وتوحيدَ الطَّلبِ وتوحيدَ الطَّريقِ الموصلةِ، والانقطاعُ وتخلَّفُ الوصولِ يقعُ من الشِّركةِ في هذه الأمورِ أو في بعضِها، فالشِّركةُ في المطلوبِ تُنافي التَّوحيدَ والإخلاصَ، والشِّركةُ في الطَّلبِ تُنافي الصِّدقَ والعزيمةَ، والشِّركةُ في الطَّريقِ تنافي اتَّباعَ الأمرِ، فالأوَّلُ يوقعُ في الشِّركِ والرِّياءِ، والثَّاني يُوقِعُ في المعصيةِ والبطالةِ، والثَّالثُ يُوقِعُ في اتِّباعِ البدعةِ ومفارقةِ السُّنَّةِ. فتأمَّلْ، فتوحيدُ المطلوبِ يعصمُ من الشِّركِ والرِّياءِ، وتوحيدُ الطَّلبِ يعصِمُ من المعصيةِ، وتوحيدُ الطَّريقِ يعصِمُ من البدعةِ، والشَّيطانُ إنَّما يَنصبُ فَخَّه بهذه الطُّرقِ الثَّلاثةِ.

قولُه: (مِنَ النَّبِيِّينَ) : الَّذين اختصَّهُم من خلقِه وشَرَّفَهم برسالتِه ونبوَّتِه، وقد تقدَّمَ الكلامُ على الأنبياءِ.

قولُه: (والصِّدِّيقينَ) : الَّذين صدَّقوا أقوالَهم بأفعالِهم، فالصِّدِّيقُ المبالِغُ في الصِّدقِ كما في الحديثِ: (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتىَّ يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا) أو المبالغُ في التَّصديقِ كما سُمِّيَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقَ.

قال ابنُ القيِّمِ: الصِّدِّيقُ أبلغُ من الصَّدُوق، والصَّدوقُ أبلغُ من الصَّادِقِ، فأعلى مراتبِ الصِّدقِ الصِّديقيَّةُ، وهي كمالُ الانقيادِ للرَّسولِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- معَ كمالِ الإخلاصِ للمُرسِلِ.

قولُه: (والشُّهداءِ) : والشَّهيدُ هو المقتولُ في سبيلِ اللهِ، قيل سُمِّيَ بذلكَ لأنَّ اللهَ وملائكتَه شهدُوا له بالجنَّةِ، أو لأنَّ ملائكةَ الرَّحمةِ تشهدُه، أي تحضُره، قالَ العلماءُ: والشَّهيدُ ينقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:

الأوَّلِ: شهيدٌ في الدُّنْيَا والآخرةِ، وهو المقتولُ في سبيلِ اللهِ في حربِ الكفَّارِ.

الثَّاني: شهيدٌ في الآخرةِ دونَ أحكامِ الدُّنْيَا، وهو الغريقُ، والحريقُ، والمطعونُ، والمبطونُ، ومن قُتِلَ دونَ مالِه أو دونَ نفسِه أو دون حُرمتِهِ.

الثَّالثِ: شهيدٌ في الدُّنْيَا دون الآخرةِ، وهو من غَلَّ من الغنيمةِ أو قُتِلَ مُدْبِرًا.

قولُه: (والصَّالحين) : الصَّالحُ: هو القائمُ بحدودِ اللهِ وحقوقِ عبادِهِ.

قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ في كتابِ (( الإيمانِ ) ): ولفظُ الصَّالحِ والشَّهيدِ يُذكرُ مفردًا فيتناولُ النَّبيِّين، والصِّدِّيقينَ، والشَّهداءَ، ويُذكرُ مع غيِرِهِ فيفُسَّرُ بِحسَبِهِ. اهـ.

وقدَّم النبِيِّين على الصِّدِّيقين لشرفِهِم، ولكونِ الصِّدِّيقِ تابعًا للنَّبيِّ، فاستحقَّ اسمَ الصِّدِّيقِ بكمالِ تصديقِه للنَّبيِّ، فهو تابعٌ محضٌ، وقدَّمَ الصِّدِّيقين على الشُّهداءِ لفضلِ الصِّدِّيقين عليهم، وقدَّمَ الشُّهداءَ على الصَّالحين لفضلِهِم عليهم. انتهى من (( البدائعِ ) )بتصرُّفٍ

قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ رحمهُ اللهُ تعالى: وأفضلُ الخلقِ: النَّبيُّونَ، ثمَّ الصِّدِّيقونَ، ثمَّ الشَُّهداءُ، ثمَّ الصَّالحون، وأفضلُ كلِّ صنفٍ أتقاهُم. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت