الصفحة 25 من 233

فَلا عُدُولَ لأهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ عَمَّا جَاءَ بِهِ المُرْسَلُونَ؛ فإِنَّهُ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ [1]

(1) قولُه: (فلا عُدولَ) : أي فلا مَيْلَ ولا انحرافَ لأهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ عمَّا جاءَ به المُرسلون، بل هم مقتفون آثارَهُم، مستضِيئون بأنوارِهم، مؤمنونَ بجميعِهم، مُصَدِّقُون لهم في كلِّ ما أَخْبَروا به من الغيبِ، إذ هو الحقُّ والصِّدقُ الَّذي يجِبُ اعتقادُه واتِّباعهُ، ولا تجوزُ مخالفتُهُ، وأعظمُ ما جاءَ به المرسلونَ: هو الدَّعوةُ إلى توحيدِ اللهِ وعبادتهِ وحدَه لا شريكَ له، ومعرفتِه بأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه، وأَنَّه لا شبيهَ له، ولا نظيرَ، فهذا دينُهم من أوَّلِهم إلى آخرِهم قالَ تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ) أي إنَّ الدِّينَ الَّذي جاءَ به محمَّدٌ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- هو دِينُ الأنبياءِ من أوَّلِهم إلى آخرِهم، ليسَ للهِ دِينٌ سِواه، فالإسلامُ دينُ أهلِ السَّماواتِ، ودينُ أهلِ التَّوحيدِ من الأرضِ، لا يَقْبلُ اللهُ من أحدٍ دِينًا سواه.

قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ رحمهُ اللهُ: فأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ المتِّبعُون لمحمَّدٍ وإبراهيمَ وموسى وعيسى وغيرِهم من رسلِ اللهِ، يُثْبِتُون ما أَثْبَتُوه من تَكْلِيمِ اللهِ ومَحَبَّتِهِ ورَحْمَتِهِ وسائِرِ ما له من الأسماءِ والصِّفاتِ، ويُنَزِّهُونَهُ عن مُشَابَهَةِ الأَجسادِ الَّتي لا حياةَ فيها، وأمَّا أهلُ البدعِ من الجهميَّةِ ونحوِهِم فإنَّهم سَلَكُوا سبيلَ أعداءِ الرُّسلِ إبراهيمَ وموسى ومحمَّدٍ الَّذين أنكَروا أنَّ اللهَ كلَّمَ موسى تكليمًا، واتَّخذَ إبراهيمَ خليلًا، وقد كلَّم اللهُ محمَّدًا واتَّخذهُ خليلًا ورفعهُ فوقَ ذلك درجاتٍ، وتَابَعُوا فِرْعَوْنَ الَّذي قال: (يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا) وتَابَعُوا المُشركين الَّذين (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ) الآيةَ. واتَّبَعُوا الَّذين أَلْحَدُوا في أسماءِ اللهِ, فهم يجحدون حقيقةَ الرَّحمنِ، أو أنَّه يَرْحَمُ، أو يُكَلِّمُ، وزعموا أنَّ مَن أَثْبَتَ له هذه الصِّفاتِ فقد شبَّههُ بالأَجْسامِ الميتةِ، وأنَّ هذا تشبيهٌ للهِ بخلقِه، تعالى اللهُ عن قولِهم عُلُوًّا كبيرًا.

قولُه: (فإنَّه الصِّراطُ المستقيمُ) أي أنَّ ما جاءَ به المرسلون هو الصِّراطُ المستقيمُ، المُوصِلُ إلى السَّعادةِ الأبديَّةِ، وهو الَّذي لا طريقَ إلى اللهِ ولا إلى جنَّتِه سواه، والصِّراطُ في اللغةِ: الطَّريقُ الواضحُ. قال الشَّاعرُ:

أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ إِذا اعْوَجَّ الْمَوارِدُ مُسْتَقِيمٌ

والمستقيمُ: الَّذي لا اعْوِجَاجَ فيه ولا انحرافَ، قال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) وعن ابنِ مسعودٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ قال: خَطَّ رسولُ اللهِ خَطًّا بِيَدِهِ ثمَّ قال: (( هَذَا سَبِيلُ اللهِ مُسْتَقِيمًا) ثمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِ ذَلِكَ الْخَطِّ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: (( وَهَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنْ سَبِيلٍ إلاَّ وَعَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ) )ثُمَّ قَرَأَ (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ) الآيةَ. رواه الإمامُ أحمدُ، والنَّسائيُّ، وابنُ أبي حاتمٍ، والحاكمُ. وصحَّحَه، والمرادُ بالصِّراطِ: قيل: الإسلامُ، وقيل: القرآنُ، وقيل: طريقُ السُّنَّةِ والجماعةِ.

قال ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ تعالى: ولا ريبَ أنَّ ما كانَ عليه رسولُ اللهِ وأصحابُه عِلْمًا وَعَمَلًا وهو معرفةُ الحقِّ وتقديمُه وإيثارُه على غيِرِه، هو الصِّراطُ المستقيمُ، وكلُّ هذه الأقوالِ المتقدِّمةِ دَالَّةٌ عليه جَامِعَةٌ له. انتهى.

والصِّراطُ المذكورُ في الكتابِ والسُّنَّةِ ينقسمُ إلى قسمين: مَعْنَوِيٍّ وحِسِيٍّ، فالمعنويُّ: هو ما تقدَّمتِ الإشارةُ إليه، والحِسِّيُّ: هو الجسرُ الَّذي يُنْصَبُ على مَتْنِ جهنَّمَ يومَ القيامةِ، يمرُّ النَّاسُ عليه على قَدْرِ أعمالِهم، فَبحَسَبِ استقامةِ الإنسانِ على الصِّراطِ المعنويِّ الَّذي نَصَبَهُ اللهُ لعبادِه في هذه الدَّارِ تكونُ استقامتُه على ذلك الصِّراطِ الحِسِّيِّ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ (جَزَاءً وِفَاقًا) ، (وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ) .

قال ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ تعالى: أفردَ الصِّراطَ لأنَّ الحقَّ واحدٌ، وهو صراطُ اللهِ المستقيمُ الَّذي لا صراطَ يوصلُ إليه سواه، وهو عبادةُ اللهِ بما شرعَ على لسانِ رسولِهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، وهذا بخلافِ طرقِ الباطلِ فإنَّها متعدِّدةٌ مُتَشَعِّبَةٌ، ولهذا يجمعُها، كقولِه -سُبْحَانَهُ- وتعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ) الآيةَ، ولا يناقضُ هذا قولَه سُبْحَانَهُ: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ) فإنَّ تلك هي طُرُقُ مَرْضَاتِهِ الَّتي يَجْمَعُها سبيلُه الواحدُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت