الصفحة 24 من 233

وهُو سُبْحَانَهُ قَدْ جَمَعَ فِيما وَصَفَ وسَمَّى بِه نَفْسَهُ بينَ النَّفْيِ والإِثْباتِ. [1]

(1) قوله: (جَمَعَ) : الجَمْعُ في اللغةِ: الضَّمُّ، والاجتماعُ: الانْضِمَامُ، والتَّفْرِيقُ ضِدُّه.

قولُه: (وَصَفَ) : الوصفُ لغةً: نعتُه بما فِيهِ. وَصَفَ الشَّيءَ نعتَهُ بما فيه وحلاَّه, والصِّفةُ النَّعتُ، والصِّفةُ ما يَقُومُ بالموصوفِ كالعلمِ والجمالِ، وأسماؤه -سُبْحَانَهُ- تنقسمُ إلى قِسمين: أعلامٍ وأوصافٍ، والوَصْفِيَّةُ فيها لا تُنافي العَلَمِيَّةَ، بخلافِ أوصافِ العبادِ، وصفاتُه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- دَالَّةٌ على مَعَانٍ قائمةٍ بذاتهِ، فيجبُ الإيمانُ بها، والتَّصديقُ، وإثباتُها للهِ حقيقةً على ما يليقُ بجلالِ اللهِ وعظمتِه، وهي بالنَّظرِ إلى الذَّاتِ من قَبِيلِ المُتَرَادِفِ، و بالنَّظرِ إلى الصِّفاتِ من قَبِيلِ المُتَبايِنِ، وهي تنقسمُ كما مضى إلى قسمينِ: صِفَاتِ ذاتٍ وصِفَاتِ فِعْلٍ.

قولُه: (بين النَّفيِ والإثباتِ) : فالنَّفيُ كقولِه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وقولِه: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) وقولِه: (لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ) وقولِه: (وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا) .

والإثباتُ كقولِه: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) وقولِه: (وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) وقولِه: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ) .

قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ رحمَه اللهُ: ومعاني التَّنزيهِ تَرْجِعُ إلى هذين الأصْلين: إثباتِ الكمالِ، ونفيِ التَّشبيهِ والمثالِ، وقد دَلَّ عليهما سورةُ الإخلاصِ، فاسمُه الصَّمَدُ: يجمعُ معانيَ صفاتِ الكمالِ، والأَحَدُ: يَتَضمَّنُ أنَّه لا مِثلَ له ولا نَظيرَ. مِن المنهاجِ بتصرُّفٍ.

والنَّفيُ ليس مقصودًا لذاتِه، وإنَّما هو مقصودٌ لغيرِهِ، إذ النَّفيُ المحضُ ليس بمدحٍ ولا ثناءٍ، بل هو عَدَمٌ مَحْضٌ ولا مَدْحَ في ذلك.

قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ رحمَه اللهُ في كتابِه (( التَّدْمُرِيَّةِ ) ): ويَنبغي أن يُعْلَمَ أنَّ النَّفيَ ليسَ فيه كمالٌ ولا مدحٌ، إلا إذا تضمَّنَ إثباتًا، وكلُّ ما نَفى اللهُ عن نفسِه من النَّقائصِ ومُشَاركةِ أحدٍ له في خصائصِه فإنَّها تدلُّ على إثباتِ ضدِّها مِنْ أنواعِ الكمالاتِ. انتهى.

وطريقةُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ في النَّفيِ الإِجْمَالُ، وفي الإثباتِ التَّفْصِيلُ، كما جاء في الكتابِ والسُّنَّةِ: فَأثْبتوا له -سُبْحَانَهُ- الأسماءَ والصِّفاتِ ونفَوا عنه مماثلةَ المخلوقاتِ، ومَن خالفَهم من المُعَطِّلَةِ والمُتَفَلْسِفَةِ وغيرِهم عَكَسُوا القضيَّةَ فجاؤوا بنفيٍ مُفَصَّلٍ وإثباتٍ مُجْمَلٍ، فيقولون: ليسَ كذا ليسَ كذا. ذكر معناه في (( التَّدْمُرِيَّةِِ ) )وغيرِها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت