الصفحة 22 من 233

ولهذا قالَ سُبْحَانَهُ: ( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمينَ ) [1]

(1) قولُه: ولهذا قالَ سُبحانَه: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمينَ) .

ذكرَ المُصنِّفُ رحمه اللهُ تعالى هذه الآيةَ الكريمةَ دليلًا على ما تقدَّمَ من إثباتِ صدقِ الرُّسلِ عليهم السَّلامُ، وصحَّةِ ما جاؤوا به، وأنَّه الحقُّ الَّذي يجبُ اعتقادُه، وأنَّ الأنبياءَ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلَّغُوا الرِّسالةَ، وأَدُّوْا الأمانةَ، ووصفُوا اللهَ بما يَليِقُ به من صفاتِ الكمالِ، ونَزَّهُوه عن صفاتِ النَّقصِ والعيبِ، وأنَّ مَن قالَ بخلافِ ما جاؤوا به فهو كاذبٌ على اللهِ، قائلٌ عليه بدونِ علمٍ.

قولُه: (سُبْحَانَ رَبِّكَ) : أي تَنْزِيهًا للهِ عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ.

قال ابنُ القيَّمِ: التَّسْبِيحُ: تَنْزِيهُ اللهِ عن كلٍّ سوءٍ، وأصلُ اللفظةِ من المُبَاعَدَةِ من قولِهم: سَبَحْتُ في الأرضِ، إذا تَبَاعَدْتُ فيها. انتهى، وتأتي سُبْحانَ للتَّعجُّبِ.

قولُه: (رَبِّ العِزَّةِ) : أي القوَّةِ والغلبةِ، وأَضافها إليه لاختصاصِها به، والعزَّةُ يُرادُ بها عِزَّةُ القوَّةِ، وَعِزَّةُ الامتناعِ، وعزَّةُ الغَلَبَةِ والقهرِ، فله -سُبْحَانَهُ- العزَّةُ التَّامَّةُ بالاعتباراتِ الثَّلاثِ، يُقالُ في الأوَّلِ: عَزَّ يَعَزَّ بفتحِ العينِ في المستقبلِ، وفي الثَّاني بكسرِ العينِ، وفي الثَّالثِ بضمِّها.

قولُه: (عَمَّا يَصِفُونَ) أي تَنَزَّهَ -سُبْحَانَهُ- وتقدَّسَ عمَّا يصِفُه به المخالفونَ للرُّسُلِ من النَّقائصِ والعيوبِ.

قولُه: (وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلينَ) : أي سلامُ اللهِ عليهم في الدُّنْيَا والآخرةِ، لسلامةِ ما قالوه في ربِّهم وصحَّتِهِ وأَحقيَّتِه.

قولُه: (والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمينَ) : قولُه: (ربِّ) : هو الخالقُ الرَّازقُ المدبِّرُ لجميعِ الأمورِ، ولا يُطلقُ إلا على اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- إلا إذا أُضيفَ فيطلَقُ على غيرِه كَرَبِّ الدارِ، وربِّ الدَّابَّةِ، ونحوِ ذلك، ولفظةُ ربِّ وإلهٍ فيهما دَلالةُ الاقترانِ والانفرادِ، فإذا أُفْرِدَ أحدُهما دَخَل فيه الآخرُ، وإذا ذُكِرَا مَعًا فُسِّرَ الرَّبُّ بما تقدَّم، وفُسِّرَ الإلهُ بأنَّه المَعْبودُ المُطَاعُ.

قولُه: (العالَمِين) : العَالَمُ: كُلُّ مَنْ سِوَى اللهِ، سُمِّي بذلك لأنَّه علامةٌ على وُجودِ خالقِه ومُوجِدِه، ووحدانيَّتِه، وأنَّه المستحقُّ للعبادةِ كما قيل:

فَوَا عَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الإِلَهُ أَمْ كَيْفَ يجْحَدُهُ الَجاحِدُ

وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ

ويُروى أنَّ أعرابيًّا سُئِلَ عن اللهِ فقالَ:"يا سبحانَ اللهِ، إنَّ البَعْرَةَ لَتَدُلُّ على البعيرِ، وإنَّ الأَثَرَ لَيَدُلُّ على المَسِيرِ، فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، وأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ، وبَحْرٌ ذَاتُ أَمْوَاجٍ، ألا يدلُّ ذلك على وجودِ اللطيفِ الخبيرِ"، ففي هذه الآيةِ نَزَّه نفسَه -سُبْحَانَهُ- عمَّا لا يليقُ بجلالِه، ثمَّ سَلَّمَ على المرسلينَ، وهذا يقتضي سلامتَهم من كلِّ ما يَقُوله المُكَذِّبُونَ لهم، وإذا سَلِمُوا من ذلك لَزِم سَلامةَُ كلِّ ما جَاءوا به من الكذبِ والفسادِ، وأعظمُ ما جاءوا به: هو التَّوحيدُ ومعرفةُ اللهِ -سُبْحَانَهُ- وتعالى، وَوَصْفُه بما يليقُ بجلالِه ممَّا وصفَ به نفسَه على ألسنتِهم، وإذا سَلِمَ ذلك من الكذبِ والمحالِ فهو الحقُّ المحضُ وما خَالَفه فهو الباطلُ والكذبُ والمحالُ.

قال ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ: ولمَّا كانَ التَّسبيحُ يتضمَّنُ التَّنزيهَ والتَبْرِئَةَ من النَّقصِ بدلالةِ المُطابقةِ، ويستلزمُ إثباتَ الكمالِ، كما أَنَّ الحمدَ يدلُّ على إثباتِ صفاتِ الكمالِ مُطابقةً ويَسْتَلْزِمُ التَّنزيهَ عن النَّقصِ، قَرَنَ بينهما في هذا الموضعِ وفي مواضعَ كثيرةٍ من القرآنِ؛ ولهذا قال: (( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) الآيةَ. انتهى.

وفي هذهِ الآيةِ إثباتُ أنواعِ التَّوحيدِ الثَّلاثةِ، فإِنَّ الحمدَ يتضمَّنُ إثباتَ أنواعِ التَّوحيدِ الثَّلاثةِ، فإنَّ الحمدَ مَدْحُ الْمَحْمُودِ بصفاتِ كمالهِ ونعوتِ جلالِه، مع محبَّتِه والرِّضا عنه والخضوعِ له، ومن المعلومِ أنَّ فاقدَ صفاتِ الكمالِ لا يكونُ إلهًا، ولا مدبِّرًا، بل هو مذمومٌ، مَعِيبٌ، ليس له الحمدُ، وإنَّما الحمدُ لمَن له صفاتُ الكمالِ، ونُعوتُ الجلالِ، الَّتي لأجلِهَا استحقَّ الحمدَ، واشتملتْ هذه الآيةُ على وصفِه -سُبْحَانَهُ- بالعزَّةِ المتضمَّنةِ للقوَّةِ والقدرةِ وعدمِ النَّظيرِ، والحمدِ المُتَضَمَّنِ لصفاتِ الكمالِ والتَّنزيهِ عن أضدادِها، وعلى إثباتِ صفةِ الكلامِ، وعلى الرَّدِّ على جميعِ المُخالفين، وإثباتِ أنَّ ما جاءَ به المرسلونَ هو الحقُّ الَّذي يتعيَّنُ اعتقادُه لسلامةِ ما قالُوه في ربِّهم من النَّقصِ والعيبِ. انتهى. مِن كلامِ ابنِ القيِّم مُلَخَّصًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت