[مصْدُوقونَ] ؛ بخِلافِ الَّذينَ يَقُولونَ على الله مَا لا يَعْلَمونَ. [1]
(1) قوله: (مَصْدُوقون) : أي فيما يَأْتِيهم من الوحيِ الكريمِ، قال تعالى: ( قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) فيجبُ الإيمانُ بجميعِ الأنبياءِ والمُرسلين، وأَنْ لا يُفرَّقَ بين أحدٍ منهم وتصديقُهم فيما أَخْبَروا به واتَّباعُهم في كلِّ ما جَاؤوا به فهو حقٌّ وصدقٌ، وقد اتَّفقَ العلماءُ على كُفْرِ من كَذَّبَ نبيًّا مَعْلُومَ النُّبوَّةِ، وكذا من سَبَّهُ أو انْتَقَصَهُ وَيَجِبُ قتلُهُ؛ لأَنَّ الإيمانَ واجبٌ بجميعِ المرسلين، واتَّباعُهم واتَّباعُ ما أُنْزل إليهم، وقد ختمهم اللهُ بمحمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- وأَنْزَل عليه الكتابَ والحكمةَ، وجعل دعوتَه عامَّةً لجميعِ الثَّقلين، باقيةً إلى يومِ القيامةِ، وانقطعتْ به حُجَّةُ العبادِ على اللهِ سُبْحَانَهُ، وقد بَيَّن اللهُ بِه كلَّ شيءٍ، وأَكَمْلَ له ولأمَّتِه الدِّينَ خَبَرًا وأمْرًا، وأَقْسَمَ بنفسِه أنَّهم لا يُؤمِنونَ حتَّى يحكِّمُوه فيما شَجَرَ بَيْنهم، قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) الآيةَ، وفي حديثِ أنسٍ أَنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ ) ).
وأعظمُ ما جاءَ به -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- هو وإخوانُه من الرُّسُلِ: هو الدعوةُ إلى توحيدِ اللهِ وعبادتِه وحدَه لا شريكَ له: ومعرفتِه بأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه، وأنَّه لا شبيهَ له ولا نظيرَ، فهذا هو مفتاحُ دعوتِهم وزُبْدَةُ رسالتِهم من أوَّلِهم إلى آخِرهم، فَدِينُهُم واحدٌ، وإنَّما اختلَفَت الشَّرائِعُ كما قالَ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( نَحْنُ مَعَاشِرَ الأنْبِيَاءِ أَوْلاَدُ عَلاَّتٍ دِيِنُنُا وَاحِدٌ ) )الحديثَ.
قولُه: (بخلافِ الَّذينَ يقولونَ على اللهِ ما لا يعلمونَ) أي بخلافِ الَّذينَ يقولونَ على اللهِ في شرعِه ودينِه أو في أسمائِه وصفاتِه وأفعالِه ما لا يَعْلمونَ، بل بِمُجَرَّدِ عقولِهم الفاسدةِ، وتَخَيُّلاتِهِم الكَاسِدَةِ، الَّتي ما أَنْزَلَ اللهُ بها من سلطانٍ، قال تعالى: (وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) وقال: (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لتفترُواْ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ ) فالقولُ على اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- بلا علمٍ من أعظمِ المنكراتِ، ولهذا جعلَه في أعظمِ مراتبِ التَّحريمِ، فإنَّه بَدَأَ بِأَسْهَلِهَا، وختمَ بأشدِّها، وأعظمِها تحريمًا، وهو القولُ على اللهِ بلا علمٍ، وتواترَ عنِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) ).
قال ابنُ القيِّمِ رحمَهُ اللهُ: فالقولُ على اللهِ بغيرِ علمٍ من كبائرِ الذُّنوبِ، سواءٌ كان في أسماءِ اللهِ وصفاتِه وأفعالِه، أو في أحكامِه وتقديمِ الخَيَالِ المُسَمَّى بالعقلِ والسَّياسةِ الظَّالمةِ، والعَوَائِدِ الباطلةِ، والآراءِ الفاسدةِ، والأَذْوَاقِ والكُشُوفَاتِ الشَّيطانيَّةِ على ما جاءَ به رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- انتهى بتصرُّفٍ.