وأَصْدَقُ قِيلًا، وأَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْ خَلْقِهِ ثُمَّ رُسُلُهُ صادِقُونَ [1]
(1) قولُه: (وأصدقُ قيلًا) : قالَ تعالى: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) وثبتَ في الصَّحيحِ من حديثِ جابرٍ أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- كانَ يقولُ في خطبتِه يومَ الجُمعةِ: (( إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْي هَدْيُ مَحَمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- ) )الحديثَ، فما أخبرَ بهِ اللهُ -سُبْحَانَهُ- فهو حقٌّ وصِدقٌ، علينا أنْ نصدِّقَه ولا نُعَارِضَهُ ولا نُعْرِضَ عنه، فَمَنْ عَارَضَهُ بعقلِهِ لم يُصَدِّقْ به، وكذلك مَن أَقَرَّ بِلَفْظِهِ مع جَحدِ معناه، أو حرَّفه إلى معانٍ أُخَرَ غيرِ ما أُريدَ به. لم يكنْ مُصدِّقًا.
قولُه: (وأحسنُ حديثًا من خلقِه) : قالَ اللهُ تعالى: (وَمَنْ أََصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) لفظُه لفظُ استفهامٍ، ومعناه لا أَحَدَ أَحْسَنُ حديثًا منه سُبْحَانَهُ، فألفاظُه أفصحُ الألفاظِ وأَبْيَنُهَا وأعظمُها مُطَابقةً لمعانيها المرادةِ منها، ومعانيه أشْرَفُ المعاني، فلا تجدُ كلامًا أحسنَ تفسيرًا ولا أَتَمَّ بيانًا مِن كلامِهِ -سُبْحَانَهُ-، ولهذا سمَّاهُ اللهُ بيانًا، وأخبرَ أنَّه يَسَّرَهُ للذِّكرِ، يَسَّرَ ألفاظَه للحفظِ ويَسَّرَ معانيهِ للفهمِ، فَمُحَالٌ أن يتركَ بابَ الإيمانِ باللهِ وأسمائِه وصفاتهِ مُلتبسًا، وهو أشرفُ العلومِ على الإطلاقِ، بل قد بيَّنهُ اللهُ ورسولُه بيانًا شافيًا قاطِعًا للعذرِ، لا لَبْسَ فيه ولا إِشْكَالَ، فآياتُ الصِّفاتِ واضحةُ المعنى وضوحًا تامًّا، بحيث يَشْتَرِكُ في فَهْمِ معانيها العامُّ والخاصُّ، أي فَهْمُ أصلِ المعنى لا فهمُ الكُنْهِ والكيفيَّةِ كما أنَّها مُفيدةٌ للعلمِ اليقينيِّ الكاملِ.
قولُه: (ثمَّ رسلُهُ صادقون) : أي فيما جاؤوا بِه عن اللهِ، والصِّدقُ هو مُطابقةُ الخبرِ للواقعِ، فرسُلُه عليهمُ السَّلامُ صادِقون في جميعِ ما أَتَوْا به إذ هو الحقُّ الصِّدْقُ المُطابقُ للواقعِ، فلا يَصِحُّ لإنسانٍ قولٌ ولا عملٌ إلا باعتقادِ صدقِهم وأَمَانَتِهِمْ، وأنَّهم بلَّغُوا البلاغَ المبينَ بأبلغِ عِبَارةٍ وأَوْضَحِ أسلوبٍ، ليسَ في كلامِهم لُغْزٌ، ولا أَحَاجِي، وليس له باطنٌ يخالفُ ظاهرَه، وأنَّ لديهم من القدرةِ على التعبيرِ وكمالِ العلمِ وتمامِ الشَّفقةِ والنُّصحِ ما ليسَ عند غيرِهِم، فيجبُ أن يكونَ بيانُهم للحقِّ أكملَ من بيانِ كلِّ أحدٍ، فمِن المُحَالِ أن يتركوا بابَ الإيمانِ باللهِ وأسمائِه وصفاتِهِ مُلْتَبِسًا، وهو أشرفُ العلومِ على الإطلاقِ وأَجَلُّهَا وأَوْجَبُهَا، قد بَيَّنوه غايةَ البيانِ ولم يبقَ فيه شكٌّ ولا إشكالٌ.
قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ رحمه اللهُ: ومعلومٌ أنَّه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قد بلَّغَ الرِّسالَةَ كما أُمِرَ ولم يَكْتُمْ منها شيئًا، فإنَّ كِتْمَانَ ما أنزله اللهُ عليه يُنَاقِضُ مُوجبَ الرِّسالةِ، كما أنَّ الكذبَ يُنَاقِضُ مُوجبَ الرِّسالةِ، قال: ومِن المعلومِ في دينِ المُسلمين أنَّه مَعْصُومٌ من الكِتمانِ لشيءٍ من الرِّسالةِ، كما أنَّه مَعْصُومٌ من الكذبِ فيها، والآيةُ تشهدُ له بأنَّه بلَّغَ الرِّسالةَ كما أمرَ اللهُ، وبيَّنَ ما أُنْزِلَ إليه من ربِّه، وقد وَجَبَ على كلِّ مسلمٍ تصديقُه في كلَّ ما أَخْبَر به.