ولا يُكَيِّفُونَ ولا يُمَثِّلُونَ صِفاتِهِ بِصِفاتِ خلْقِهِ، لأنَّهُ سُبْحَانَهُ: لاَ سَمِيَّ لَهُ، ولا كُفْؤَ لَهُ، ولا نِدَّ لَهُ، ولا يُقَاسُ بخَلْقِهِ [1]
(1) قولُه: (ولا يُكَيِّفونَ) : شيئًا من صفاتِه -سبحانه- وتعالى، فإنَّه الموصوفُ بصفاتِ الكمالِ الَّتي لا تَبْلُغُها عقولُ الخلائقِ، قالَ تعالى: (وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) فيجبُ الإيمانُ بصفاتِ اللهِ واعْتِقَادُ أنَّها حقيقةٌ تليقُ بجلالِ اللهِ وعظمتِه، أمَّا كُنْهُها وكيفيَّتُها فهو ممَّا استأثرَ اللهُ بعلمِه، فلا سبيلَ إلى معرفتِه، وقد تقدَّمَ الكلامُ على هذا الموضوعِ.
قولُه: (ولا يمثِّلونَ صفاتِه بصفاتِ خلقِه) : فمذهبُ أهلِ السُّنَّةِ إثباتُ الأسماءِ والصِّفاتِ، مع نفيِ مُمَاثَلَةِ المخلوقاتِ، إِثْباتًا بلا تمثيلٍ، وتَنْزِيهًا بلا تعطيلٍ، ليس كمثلِهِ شيءٌ وهو السَّميعُ البصيرُ.
قولُه: (لأنَّه -سبحانه- لا سَمِيَّ له) : أي لا نظيرَ له، كما قالَ سُبْحَانَهُ: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) أي من يُسَامِيه أو يُمَاثِلهُ، ويُروى عن ابنِ عبَّاسٍ مَثيلًا أو شَبيهًا.
قولُه: (ولا كُفْؤَ لَهُ) : أي لا مِثلَ له سُبْحَانَهُ، قال تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) .
قولُه: (ولا نِدَّ لَهُ) : أي لا شِبهَ له ولا نظيرَ، قالَ تعالى: (فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا) .
وفي قولِهِ: (ولا نِدَّ لَهُ.. إلخ) رَدٌّ على المعتزلةِ الَّذين يَزْعُمون أنَّ العبدَ يخلقُ فِعْلَ نفسِه.
قولُه: (ولا يُقاسُ بخلقِه) : أي لا يمثَّلُ بهم ولا يُشبَّهُ، والقياسُ في اللَّغةِ التَّمثيلُ.
قال تعالى: (فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأَمْثَالَ) فلا يُقاسُ -سُبْحَانَهُ- بخلقِه في أَفعالِهِ، ولا في صفاتِهِ، كما لا يُقَاسُ بهم في ذاتِه، خلافًا للمعتزلةِ ومَن وافقَهم من الشِّيعَةِ، فإنَّهم قَاسُوه -سُبْحَانَهُ- بخلقِه فَشَبَّهُوه بهم، فَوَضَعُوا له شريعةً مِنْ قِبَلِ أنفسِهِم فقالوا: يَجِبُ على اللهِ كذا، وَيَحْرُمُ عليه كذا بالقياسِ على المخلوقِ، فالمعتزلةُ ومَنْ وافقَهم مُشبِّهةٌ في الأفعالِ مُعَطِّلةٌ في الصِّفاتِ، جَحدوا بعضَ ما وصفَ اللهُ به نفسَهُ من صفاتِ الكمالِ، وسَمَّوْهُ توحيدًا، وشبَّهُوه بخلقِه فيما يَحْسُنُ ويقبحُ من الأفعالِ، وسَمَّوْا ذلك عدلًا، فعدلُهم إنكارُ قدرتِه -سُبْحَانَهُ- ومشيئتِه العامَّةِ الكاملةِ الَّتي لا يَخْرجُ عنها شيءٌ من الموجوداتِ ذواتِها وصفاتِها وأفعالِها، وتوحيدُهم: إلحادُهم في أسماءِ اللهِ الحُسنى، وتحريفُ معانيها عمَّا هي عليه، فكان توحيدُهم في الحقيقةِ تعطيلًا وعدلُهم شركًا، انتهى. مِن كلامِ ابنِ القيِّم بِتَصرُّفٍ.