الصفحة 17 من 233

ولا يُحَرِّفونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، ولا يُلْحِدُونَ في أَسْماءِ اللهِ وآياتِهِ [1]

(1) قولُه: (ولا يحرِّفون الكَلِمَ عن مواضعِهِ) : أي يُغيِّرونه ويُفَسِّرونه بغيرِ معناهُ، قالَ تعالى: (مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) .

قالَ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ: أي يَتَأَوَّلُونه على غيِرِ تأويلِه، ويُفسِّرونه بغيرِ مُرَادِ الله قَصْدًا منهم وافتراءً. قال في شرحِ الطَّحاويَّةِ: والتَّحريفُ على مراتبَ، منه ما يكونُ كفرًا، ومنه ما يكون فِسقًا، وقد يكونُ معصيةً، وقد يكونُ خطأً. انتهى.

قولُه: (ولا يُلحدونَ في أسماءِ اللهِ وآياتِه) أي يَمِيلون ويَعْدِلون عن الحقِّ الثَّابتِ، فالإِلْحَادُ معناه لغةً: الميلُ والعُدولُ عن الشَّيء، ومنه اللَّحْدُ في القبرِ؛ لانحرافِهِ إلى جهةِ القبلةِ عن سَمْتِ الحَفْرِ.

قال ابنُ القيِّمِ: الإلحادُ: هو العُدولُ بأسماءِ اللهِ وصفاتِه وآياتِه عن الحقِّ الثَّابتِ، وقال في (( النُّونيَّةِ ) ):

أَسْمَاُؤُه أَوْصَافُ مَدْحٍ كلُّها مشتقَّةٌ قَدْ حُمِّلت لِمَعَانِي

إِيَّاكَ وَالإِلْحَادَ فِيهَا إِنَّهُ كُفْرٌ مَعَاذَ اللهِ مِنْ كُفْرانِي

وَحَقِيقَةُ الإِلحَادِ فِيهَا الْمَيْلُ بالـ إِشْرَاك والتَّعْطِيلِ وَالنُّكْرَانِي

فَالمُلْحِدُون إِذًا ثَلاَثُ طَوَائِفٍ فَعَلَيْهِمُ غَضَبٌ مِنَ الرَّحْمنِ

وقال أيضًا: والإلحادُ في أسماءِ اللهِ وصفاتِه أنواعٌ.

أحدُها: أن يُسمِّيَ الأصنامَ بها، كتسميةِ اللاَّتِ من الإِلهِ، والعُزَّى من العَزِيزِ ونحوِهِ.

الثَّاني: تسميتُه -سبحانه- بما لا يليقُ بجلالهِ، كتَسْمِيةِ النَّصارى له أبًا، وتسميةِ الفلاسفةِ له مُوجِبًا أو عِلَّةً فَاعِلَةً.

الثَّالثُ: وصفُه بما يتعالى وَيَتَقَدَّسُ عنه من النَّقائصِ، كقولِ أَخْبَثِ اليهودِ: إِنَّ اللهَ فقيرٌ، وقولِهِم: يَدُ اللهِ مَغْلولةٌ.

الرَّابعُ: تعطيلُ الأسماءِ الحُسْنى عن معانِيها وجحدُ حقائِقها، كقولِ مَن يقولُ من الجهميَّةِ: إنَّها ألفاظٌ مُجَرَّدةٌ لا تتضمَّنُ صفاتٍ ولا معانيَ، فَيُطلقون عليه اسمَ السَّميعِ والبصيرِ والحيِّ ويقُولون لا سمعَ له ولا بصرَ ولا حياةَ ونحوُ ذلك.

الخامسُ: تشبيهُ صفاتِه بصفاتِ خلقهِ، تعالى اللهُ عن قولِ الْمُلحِدين عُلوًّا كبيرًا، فَجَمَعَهُمُ الإلحَادُ وتفرَّقَت بِهِم طرقُه، وَبَرَّأَ اللهُ أتباعَ رسولِه وورثتَه القائمِين بسُنَّتِه عن ذلك كلِّه، فلم يَصِفُوه إلا بما وَصف به نفسَه، ولم يَجْحدوا صفاتِه ولم يُشَبِّهُوهَا بصفاتِ خلقهِ، ولم يَعْدِلوا بها عمَّا أُنْزلت له لفظًا ولا معنًى، بل أثبتوا له الأسماءَ والصِّفاتِ، ونَفَوْا عنه مشابهةَ المخلوقاتِ، فكانَ إثباتُهم بَرِيئًا من التَّشبيهِ، وتنزيهُهُم خاليًا من التَّعطيلِ، لا كَمَنْ شَبَّهَ حتَّى كأنَّه يعبدُ صنمًا، أو عَطَّلَ حتَّى كأنَّهُ يعبدُ عَدَمًا. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت