الصفحة 159 من 233

والإِيمانُ بالقَدَرِ عَلى دَرَجَتينِ، كُلُّ دَرَجَةٍ تَتَضَمَّنُ شَيْئينِ ).

( فالدَّرَجَةُ الأوْلى: الإِيمانُ بأَنَّ اللهَ تَعَالى [ عليمٌ بالخَلْقِ وهُمْ ] عَامِلُونَ بعِلْمِهِ القَديمِ الذي هُوَ مَوْصوفٌ بهِ أَزَلًا وأَبدًا، وَعَلِمَ جَميعَ أَحوالِهِمْ مِن الطَّاعاتِ والمَعاصي والأرْزاقِ والآجالِ. [1]

(1) قولُه: (والإيمانُ بالقدَرِ على دَرجتَيْنِ) الخ ذَكرَ المصنِّفُ مَراتبَ الإيمانِ بالقدَرِ فبدأَ بمرتبةِ العِلمِ، وقد تَقدَّمَ الكلامُ على صِفةِ العِلمِ وأنها مِن الصِّفاتِ الذَّاتيَّةِ، وأنَّها متناوِلةٌ الموجودَ والمعدومَ والواجبَ والممْكِنَ والممْتنِعَ، قال شيخُ الإسلامِ: إنَّ عِلمَ اللَّهِ السَّابقَ مُحيطٌ بالأشياءِ على ما هي عليه لا مَحْوٌ فيه ولا تَغييرٌ ولا زيادةٌ ولا نقصٌ، فإنَّه -سُبْحَانَهُ- يَعلَمُ ما كان وما يكونُ وما لا يكونُ ولو كان كَيْفَ يكونُ، انتهى، والأدِلَّةُ على إثباتِها مِن الكِتابِ والسُّنَّةِ أكثرُ مِن أنْ تُحصرَ، واتَّفقَ عليها الصَّحابةُ والتَّابِعون ومَن تَبِعَهم، ولم يُخالِفْ فيها إلاَّ مَجوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ.

قولُه: (الأولى الإيمانُ بأَنَّ اللَّهَ) إلخ قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، فهُوَ -سُبْحَانَهُ- موصوفٌ بالعِلمِ، وبأنَّهُ بكُلِّ شيءٍ عليمٌ أزلًا وأبدًا، فلم يتَقدَّمْ عِلمَه جهالةٌ، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِياًّ) ، فيَعلَمُ -سُبْحَانَهُ- ما كان وما يكونُ، وما لم يكنْ لو كان كَيْفَ يكونُ، كما قال تعالى: (وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ) وأشار بما تَقدَّمَ للرَّدِّ على غُلاةِ المعتزِلةِ والرَّافِضةِ الذين أنْكَروا أَنَّ اللَّهَ عالِمٌ بالأزلِ، وقالوا: إنَّ اللَّهَ لا يَعلَمُ أفعالَ العِبادِ حتى يَفعلُوها - تعالى اللَّهُ عن قولِهم عُلُواًّ كبيرًا - قال تعالى: (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) .

قولُه: (أزلًا وأبدًا) الأزلُ القِدمُ الذي لا نهايةَ له، فالأزلُ هُوَ الدَّوامُ في الماضي، والأبَدُ ما ليس له آخِرٌ، فهُوَ الدَّوامُ في المستقبَلِ، فالأزليُّ: هُوَ الذي لم يَزلْ كائِنًا، والأبَديُّ: هُوَ الذي لا يَزالُ كائنًا، وكونُه لم يَزَلْ ولا يَزالُ معناه دَوامُه وبقاؤُه الذي ليس مُبتَدأً ولا مُنْتَهًى. انتهى. مِن كلامِ شيخِ الإسلامِ.

قولُه: (مِن الطَّاعاتِ) جَمعُ طاعةٍ، مأخوذةٌ مِن طَاعَ يَطُوعُ، واصطلاحًا: الطَّاعةُ: هي مُوافَقةُ الأمرِ، وكُلُّ قُربةٍ طاعةٌ ولا عَكْسَ، والمعاصي: جَمعُ معصيةٍ وَهِيَ ضِدُّ الطَّاعةِ، والمعصيةُ: هُوَ الذَّنْبُ والإثمُ ألفاظٌ مترادِفةٌ، والمعصيةُ اصطلاحًا: مخالَفةُ الأمرِ.

قولُه: (والأرزاقُ والآجالُ) الأرزاقُ جَمعُ رِزقٍ، وهُوَ لغةً: الحظُّ والنَّصيبُ، وشَرْعًا: هُوَ ما يَنفَعُ مِن حلالٍ وحرامٍ، قال اللَّهُ تعالى: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) فلا بدَّ لكُلِّ مخلوقٍ مِن استكمالِ رِزقِه، كما في حديثِ حذيفةَ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَفَثَ فِي رُوعِى أنَّهُ لاَ تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا ) )رَواهُ البَزَّارُ، وفي المتَّفقِ عليه مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ قال: (( يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعيِدٌ ) )الحديثَ، وزعَمَت المعتزِلةُ أَنَّ الحرامَ ليس برِزقٍ، فعلى قولِهم يكونُ مَن أكَلَ الحرامَ طُولَ عُمرِه لم يَرْزقْه اللَّهُ، وهَذَا باطِلٌ مخالِفٌ للكتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ السَّلَفِ، فإنَّ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ- رازِقُ كُلِّ الخَلْقِ، وليس مخلوقٌ بغيرِ رِزقٍ، ومعلومٌ أَنَّ الحرامَ مَعيشةٌ لبعضِ النَّاسِ، وقد قال تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) وقد قَسَمَ -سُبْحَانَهُ- معايِشَهم في الحياةِ الدُّنْيَا قال تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وفي الحديثِ: (( إنَّ اللَّهَ قَسَمَ بِيْنَكُمْ أَخْلاَقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ ) )إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الأدِلَّةِ.

قولُه: (والآجالَ) أي: أنَّه -سُبْحَانَهُ- قد عَلِمَ رِزقَه وأَجَلَه قَبلَ خَلقِه وإيجادِه، قال تعالى: (إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) والأجَلُ هُوَ غايةُ الوقتِ في الموتِ، ومُدَّةُ الشَّيءِ. وفي صحيحِ مسلمٍ عن عبدِ اللَّهِ قال: قالتْ أُمُّ حبيبةَ زَوجُ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: اللَّهم أَمْتِعْني بِزَوْجِي رسولِ اللَّهِ، وبأبي أبي سفيانَ، وبأخي مُعاوِيةَ )) قال فقال النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( لَقَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ أَجَلِهِ أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ أَجَلِهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا أَوْ أَفْضَلَ ) )إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الأدلَّةِ الدَّالَّةِ على أَنَّ الميِّتَ ماتَ بعد استيفاءِ أجَلِه واستكمالِ رِزقِه، سواءٌ ماتَ حتْفَ أنْفِه أو ماتَ بالقتلِ، خلافًا للمعتزِلةِ القائِلينَ بأَنَّ المقتولَ قُطِعَ عليه أَجَلُه، وقولُهم باطِلٌ تَردُّه أدلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت