( وتُؤْمِنُ الفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ مِن أَهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ. [1]
(1) قولُه: (وتُؤمِنُ الفِرقةُ النَّاجيَةُ) إلخ (القَدَرِ) بالفتحِ والسُّكونِ لغةً: مصدْرُ قَدَرْتُ الشَّيءَ إذا أحطْتُ بمقدارِه، وعرَّفه بعضُهم بقولُه: هُوَ تعلُّقُ عِلمِ اللَّهِ وإرادَتِه أزلًا بالكائناتِ قَبلَ وجودِها، فلا حادِثَ إلاَّ وقد قدَّرَه اللَّهُ أزلًا أي سَبَق بِهِ عِلمُه، وتعلَّقتْ بِهِ إرادَتُه، والإيمانُ بالقدَرِ هُوَ أَحدُ أصولِ الإيمانِ السِّتَّةِ المذكورةِ في حديثِ جبريلَ وغيرِه، وأَجمعَ عليها أهلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ ولم يخالِفْ في ذَلِكَ إلا مَجوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ القدَريَّةُ، وقد خرجوا في أواخِرِ عهدِ الصَّحابةِ، وأنكَرَ عليهم الصَّحابةُ الموجودُونَ إذْ ذاك، وأوَّلُ مَن قال ذَلِكَ مَعبدٌ الجُهنيُّ بالبصرةِ، كما روى مسلمٌ في"صحيحِه"عن ابنِ عمرَ أنَّه قال: والذي نَفْسي بِيدِه لو كان لأحَدِهم مِثلُ أُحُدٍ ذهبًا ما قَبِلَه اللَّهُ منه حتى يُؤْمِنَ بالقدَرِ خيرِه وشرِّه، ثم اسْتدَلَّ بقولِ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( الإِيمَانُ أنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ) )فجَعلَ الإيمانَ بالقدَرِ سادِسَ أصولِ الإيمانِ، فمَن أنْكَرَه فليس بمؤمنٍ، بل ولا مسلمٍ فلا يُقبلُ عملُه، وقال ابنُ القيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- بعد ذِكرِ آثارٍ في الإيمانِ بالقدَرِ، قال: وَهَذِهِ الآثارُ كُلُّها تُحقِّقُ هَذَا المَقامَ، وتُبيِّنُ أنَّ مَن لم يؤمنْ بالقدَرِ فقد انْسلَخَ مِن التَّوحيدِ وَلَبِسَ جِلبابَ الشِّركِ، بل لم يُؤمنْ باللَّهِ ولم يعرِفْه، وهَذَا في كُلِّ كتابٍ أنزلَه اللَّهُ على رُسلِه. انتهى.
وقال طاوُسٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: أدركتُ ثلاثَمائةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- يقولون كُلُّ شيءٍ بقدَرٍ. وقال أيوبُ السِّخْتِيَانيُّ: أدركتُ النَّاسَ وما كلامُهم إلا أنْ قَضى وقَدَّرَ، وفي صحيحِ مسلمٍ عن طاوسٍ: أدركتُ أناسًا من أصحابِ رسولِ اللَّهِ يقولون: كُلُّ شيءٍ بقدَرٍ، وسمعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزَ وَالْكَيَسَ ) ).
قولُه: (خيرِه وشرِّه) فلا كائنٌ إلا بإرادتِه ومشيئتِه، فهُوَ الخالقُ لكُلِّ شيءٍ.
قال ابنُ القيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: إثباتُ الشَّرِّ في القضاءِ إنَّما هُوَ بالإضافةِ إلى العبدِ والمفعولِ إذا كان يَقْدِرُ عليه بسببِ جَهلِه وظُلمِه وذُنوبِه لا إلى الخالِقِ، فَلَهُ في ذَلِكَ مِن الحِكَمِ ما تَقْصُرُ عنه أفهامُ البَشرِ، فهُوَ شَرٌّ بالإضافةِ إلى العبدِ، وأمَّا بالإضافةِ إلى الخالِقِ فكُلُّهُ خيرٌ وحِكمةٌ، فإنَّه صادِرٌ عن حِكمةٍ وعِلمٍ، وما كان كذَلِكَ فهُوَ خيرٌ محْضٌ بالنِّسبةِ إلى الرَّبِّ؛ إذْ هُوَ موجبُ أسمائِه وصفاتِه، ولا تعارُضَ بينه وبين قولِه: (( وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ) )لأنَّ معناه أنَّه يُمنعُ إضافةُ الشَّرِّ إليكَ بوَجهٍ مِن الوجوهِ، فلا يُضافُ الشَّرُّ إلى ذاتِه ولا إلى أسمائِه وصفاتِه وأفعالِه، فإنَّ ذاتَه مُنَزَّهَةٌ عن كُلِّ شرٍّ، وصفاتُه كذَلِكَ؛ إذْ كُلُّها صفاتُ كمالٍ ونُعوتُ جلالٍ لا نَقْصَ فيها بوجهٍ مِن الوجوهِ. انتهى. بتصرُّفٍ.