الصفحة 157 من 233

وفي العِلْمِ المَوْروثِ عنْ محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن ذلكَ مَا يَشْفي ويَكْفِي، فَمَنِ ابْتَغاهُ وَجَدَهُ ). [1]

(1) قولُه: (الموروثِ عن مُحَمَّدٍ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-) الموروثُ مِن الإرْثِ، وهُوَ لغةً: البقيَّةُ وانتقالُ الشَّيءِ مِن قومٍ إلى قومٍ آخرين، والمرادُ بِهِ هنا إرثُ العِلمِ والحِكمةِ، كما قال النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في حديثِ أبي الدَّرداءِ: (( وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا ولا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ) )، ولهَذَا قال ابنُ عبَّاسٍ -رضي اللَّهُ عنه-: إنَّما تَرَكَ ما بين الدَّفتَيْنِ، يعني القرآنَ، والسُّنَّةُ مُفسِّرةٌ له ومبيِّنَةٌ وموضِّحةٌ، أي تابعةٌ له، والمقصودُ الأعظمُ كتابُ اللَّهِ.

قولُه: (يكفي) أي: يُغْني: قولُه: (يَشْفِي) مأخوذٌ مِن شَفى يَشْفِي، أي يُبرئُ، فالكِتابُ والسُّنَّةُ بهما غايةُ الشِّفاءِ والكفايةِ، فقد أَنزلَ اللَّهُ على نبِيِّهِ القرآنَ العظيمَ الذي شَرَّفه اللَّهُ على كُلِّ كتابٍ أَنزلَه وجعلَه مُهيمِنًا عليها، وناسِخًا لها.

والسُّنَّةُ مفسِّرةٌ للقرآنِ ومُبيِّنةٌ له وموضِّحةٌ له، كما قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) ، وقال: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) ، وقال: (قَدْ جَاءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ) ففي كتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رسولِه غايةُ الشِّفاءِ لجميعِ الأدواءِ القَلبيَّةِ والبَدنيَّةِ، وأدواءِ الدُّنْيَا والآخرةِ، وفي حديثِ ابنِ عبَّاسٍ أَنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرَآنِ ) )ولما رأى مع عُمَرَ ورقةً مِن التَّوراةِ غَضِبَ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- وقال: (( أَمُتَهَوِّكُونَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، لَوْ كانَ مُوسَى حيًّا مَا وَسِعَهُ إِلاَّ اتِّبَاعِي ) ).

ورُوِيَ عن عمرَ -رضي اللَّهُ عنه- أنَّه حينما سَمِعَ رجُلا مِن قيسٍ كتَبَ كتابَ دَانيالَ غَضِبَ عليه وأمَرَه فمَحاه، وساقَ ما عَمِلَ معه النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: ولم يَمُتْ رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- حتى أكْملَ اللَّهُ له الدِّينَ، فلا خَيرَ إلا دَلَّ الأمَّةَ عليه، ولا شَرَّ إلاَّ حَذَّرَها عنه، وقد أُعطِيَ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- جوامِعَ الكَلِمِ وخواتِمَه، وقال -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لاَ يَزِيغُ عَنْهَا إِلاَّ هَالِكٌ ) )وقال أبو ذرٍّ -رضي اللَّهُ عنه-: تُوِفِّيَ رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- وما طائِرٌ يُقلِّبُ جناحَيْهِ في السَّماءِ إلا وذَكَرَ لنا منه عِلمًا.

قولُه: (فمَنِ ابتَغاه) أي: طَلَبه، قولُه: (وَجَدَه) أي: حَصَّلَه وأدركَه، فهُوَ سَهلُ اللَّفظِ، قريبُ المعنى، واضِحُ الأسلوبِ، قال اللَّهُ -سُبْحَانَهُ-: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت