الصفحة 156 من 233

وتَفاصيلُ ذلك مَذْكورةٌ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِن السَّماءِ، والآثارِ مِنَ العِلْمِ المَأْثورِ عَنِ الأنْبياءِ.عليهم السلام [1]

(1) قولُه: وتفاصيلُ ذَلِكَ أي: تَبْيينُ ذَلِكَ وتوضيحُه (مذكورةٌ في الكُتبِ المنَزَّلَةِ مِن السَّماءِ) ، فإنَّ يومَ القيامةِ وما اشتَملَ عليه معروفٌ عندَ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ مِن آدمَ إلى نوحٍ إلى إبراهيمَ وموسى وعيسى وغيرِهم مِن حِينِ أُهبطَ آدمُ، قال تعالى: (اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) وقال: (فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) ولما قال إبليس: أَنْظرني إلى يومِ يُبعثون، قال: (فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) وأمَّا نوحٌ فقال -سُبْحَانَهُ- حكايةً عنه: (وَاللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا) وقال إبراهيمُ: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) وقال: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) وقال عن موسى: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) ومؤمِنُ آلِ فرعونَ كان يَعلمُ المَعادَ، وإنَّما آمَنَ بموسى وحذَّرَ قومَه مما يَقعُ يومَ القيامةِ، فقال تعالى حكايةً عنه: (ويَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ) إلى قولِه: (إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ) إلى غيرِ ذَلِكَ مما هُوَ مذكورٌ في الكُتبِ السَّابقةِ وعن الأنبياءِ عليهم السَّلامُ.

قولُه: (المأثورِ) أي: المنقولُ المذكورُ، تقولُ: أثَرْتُ الحديثَ إذا نَقلْتَه مِن غيرِكَ، واصطلاحًا: الأَثَرُ يُطْلَقُ على المَرْويِّ مُطلَقًا سواءٌ كان عن رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أو عن صحابيٍّ، وهُوَ قولُ الجمهورِ.

قولُه: (العِلمِ) أي: العِلمِ الشَّرعيِّ النَّافعِ، وهُوَ ما جاء عن الرَّسولِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-:"العِلمُ ما قام عليه الدَّليلُ، والنَّافعُ ما جاء عن الرَّسولِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-"وفي حديثِ أبي هريرةَ -رضي اللَّهُ عنه- أَنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( الْعِلْمُ ثَلاَثَةٌ فَمَا سِوَى ذَلِكَ فهُوَ فَضْلُ عِلْمٍ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ ) )، قال ابنُ القيِّم -رَحِمَهُ اللَّهُ- في النُّونيَّةِ:

العِلمُ قال اللَّهُ قال رسولُه ... ... قال الصَّحابةُ هم أُولو العِرفانِ

ما الِعلمُ نَصْبُكَ للخلافِ سَفاهةً ... ... بين الرَّسولِ وبين رأْيِ فُلانِ

قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: العِلمُ الممدوحُ هُوَ الذي وَرِثَه الأنبياءُ، وهَذَا العِلمُ أقسامٌ ثلاثةٌ:

الأوَّلُ: عِلمٌ باللَّهِ وأسمائِه وصفاتِه وما يَتْبَعُ ذَلِكَ، وفي مِثلِه أَنزلَ اللَّهُ سورةَ الإخلاصِ وآيةَ الكرسيِّ ونحوِهما.

الثَّاني: العِلمُ بما أخبَرَ اللَّهُ بِهِ مما كان مِن الأمورِ الماضيةِ، ومما يكونُ مِن المستقبَلةِ، ومما هُوَ كائنٌ من الأمورِ الحاضرةِ، وفي مِثلِه أَنزلَ اللَّهُ القَصصَ والوَعْدَ والوعيدَ وصِفةَ الجَنَّةِ والنَّارِ.

الثَّالثُ: العِلمُ بما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِن الأمورِ المتعلِّقةِ بالقلوبِ والجوارحِ مِن الإيمانِ باللَّهِ ومِن معارِفِ القلوبِ وأحوالِها وأحوالِ الجوارحِ وأعمالها، وهَذَا يَندرِجُ فيه العِلمُ بأصولِ الدِّينِ وقواعدِ الإسلامِ، والعِلمُ بالأقوالِ والأفعالِ الظاهرةِ مما هُوَ مذكورٌ في كُتبِ الفِقهِ. انتهى.

وقال ابنُ القَيِّمِ:

والعِلمُ أقسامٌ ثلاثٌ ما لَها ... ... مِن رابعٍ والحقُّ ذو تِبيانِ

عِلمٌ بأوصافِ الإلَهِ وفِعلِه ... ... وَكَذَلِكَ الأسماءُ للرَّحمنِ

والأمرُ والنَّهيُ الذي هُوَ دِينُه ... وجزاؤُه يومَ المَعادِ الثَّاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت