الصفحة 155 من 233

ويُخْرِجُ اللهُ مِنَ النَّارِ أَقْوامًا بغَيْرِ شَفَاعَةٍ، بَلْ بفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ. [1]

ويَبْقى في الجَنَّةِ فضلٌ عَمَّنْ دَخَلَها مِنْ أَهْلِ الدُّنْيا، فيُنْشِيءُ اللهُ لَها أقوامًا، فيُدْخِلُهُمُ الجنة ).

( وأَصنافُ مَا تَضَمَّنَتْهُ الدَّارُ الآخِرَةُ مِنَ الحِسَابِ والثَّوابِ والعِقابِ والجَنَّةِ والنَّارِ. [2]

(1) وقولُه: (( ويُخرِجُ اللَّهُ أقوامًا مِن النَّارِ ) )إلخ، قال اللَّهُ -سُبْحَانَهُ-: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) وقال: (وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) وفي"الصَّحيحَيْنِ"من حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ -رضي اللَّهُ عنه- في حديثِه الطَّويلِ قال: فيقولُ اللَّهُ: (( شَفَعَتِ الْمَلاَئِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَومًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ ) ).

قولُه: (بل بفَضلِه ورَحْمتِه) يفيدُ أنَّ دخولَ الجَنَّةِ والنَّجاةَ مِن النَّارِ بفَضلِه -سُبْحَانَهُ- ورَحمتِه، لا بمجرَّدِ العملِ، كما قال -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( لَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ ) )الحديثَ، وإنَّما العملُ سببٌ لدُخولِ الجَنَّةِ، كما قال تعالى: (جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) واللَّهُ -سُبْحَانَهُ- هُوَ خالِقُ السَّببِ والمُسبِّبِ، فرَجَعَ الكُلُّ إلى محضِ فَضلِه وإحسانِه ورَحمتِه.

(2) قولُه: (ويَبقَى في الجَنَّةِ فَضْلٌ) إلخ، أي زيادةٌ في الجَنَّةِ عمَّن دَخَلها مِن أهلِها، وَذَلِكَ لسِعَتِها العظيمةِ، فإنَّها كما وَصَفها في كتابِه: (عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّماءِ وَالأَرْضِ) .

قوله (فيُنْشِئُ اللَّهُ) أي يَخلُقُ ويُحْدِثُ -سُبْحَانَهُ- أقوامًا فيُدخِلُهم الجَنَّةَ بفَضلِه ورحمتِه، كما في"الصَّحيحَيْنِ"عن أنسِ بنِ مالكٍ -رضي اللَّهُ عنه- أَنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( لاَ تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ عَلَيْهَا قَدَمَهُ فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلاَ يَزَالُ فِي الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الجَنَّةِ ) )وفي لفظِ مسلمٍ: (( يَبْقَى مِنَ الجَنَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْقَى، ثُمَّ يُنْشِئُ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ- لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنُهُمْ فَضْلَ الجَنَّةِ ) )، قال ابنُ القيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وأمَّا اللَّفظُ الذي في البخاريِّ مِن حديثِ أبي هريرةَ أنَّه يُنْشَأُ للنَّارِ مَن يشاءُ فيُلْقَى فيها، فتَقولُ هل مِن مَزيدٍ، فغَلَطٌ مِن بعضِ الرُّواةِ انْقَلَب عليه لَفظُه، والرِّوَاياتُ الصَّحيحةُ، ونَصُّ القُرآنِ يَرُدُّه، فإنَّ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ- أَخْبَرَ أنَّه يَملأُ النَّارَ مِن إبليسَ وأتباعِه، فإنَّه لا يُعذِّبُ إلا مَن قامتْ عليه حُجَّتُه وَكَذَّبَ رُسلَه، كما قال -سُبْحَانَهُ-: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ..) الآيتَيْنِ.

قولُه: (وأصنافٌ) جَمعُ صِنفٍ، وهُوَ النَّوعُ، والصِّنفُ والنَّوعُ والضَّرْبُ بمعنًى واحدٍ.

قولُه: (تضمَّنتْه) أي: اشتَملَتْ عليه.

قولُه: (الدَّارُ الآخرةُ) سُمِّيَتْ آخِرةً لتأَخُّرِها عن الدُّنْيَا، وكَوْنِها بَعْدَها.

قولُه: (والثَّوابِ والعقابِ) الثَّوابُ والمَثُوبةُ جزاءُ الطَّاعةِ، وهُوَ مِن ثابَ يَثُوبُ إذا رَجعَ، ويكونُ الثَّوابُ في الخيرِ والشَّرِّ إلاَّ أنَّه في الخيرِ أخصُّ وأكثَرُ استِعمالا، وهُوَ المرادُ هنا، والعِقابُ: العُقوبةُ. قال اللَّهُ -سُبْحَانَهُ-: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًَّا يَرَهُ) ، وقال: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) الآيةَ، وقال تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى) ، وفي حَديثِ أبي ذَرٍّ عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- فيما يَرْويهِ عَن رَبِّه أنَّه يقولُ: (( يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ ) )إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الأدلَّةِ الدَّالَّةِ على أَنَّ الجزاءَ مُرتَّبٌ على الأعمالِ، قال تعالى: (جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) أي بسببِ أعمالِكم، فالباءُ باءُ السَّببِيَّةِ، وأمَّا قولُه -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( لَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ ) )الحديثَ، فالباءُ المنْفِيَّةُ باءُ العِوَضِ، وهُوَ أنْ يكونَ العملُ كالثَّمنِ لدُخولِ الجَنَّةِ كما زَعَمَتِ المعتزِلةُ أَنَّ العامِلَ يَستحِقُّ دخولَ الجَنَّةِ على ربِّه بعَملِه، وقولُهم باطلٌ، وقد تَقدَّمَ الكلامُ على هَذَا البحثِ.

قولُه: (الجَنَّةُ والنَّارُ) الجَنَّةُ لغةً: البُستانُ الذي فيه أشجارٌ مثمِرةٌ، سمِّيت جنَّةً؛ لاجْتِنانِها وَتستُّرِها بالأشجارِ، والمرادُ هنا الدَّارُ التي أعدَّها اللَّهُ لأوليائِه وعِبادِه الصَّالِحِينَ، وأمَّا النَّارُ فأعدَّها اللَّهُ -سبحانَهُ وتعالَى- لأعدائِه - أعاذَنا اللَّهُ منها - فيَجِبُ الإيمانُ بهما واعتقادُ أنهما حَقٌّ موجودتانِ الآنَ لثُبوتِ ذَلِكَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ الأُمَّةِ، قال اللَّهُ -سُبْحَانَهُ- عن الجَنَّةِ: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) ، وعن النَّارِ: (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) ، (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لَّلطَّاغِينَ مَآبًا) وأمَّا الأحاديثُ فعن أبي هريرةَ -رضي اللَّهُ عنه- أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( لِمَّا خَلَقَ اللَّهُ الجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ وَجَلالِكَ لاَ يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلاَّ دَخَلَهَا، ثُمَّ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ لَقْدِ خَشِيتُ أَنْ لاَ يَدْخُلَهَا أَحَدٌ، فلمَّا خَلَقَ النَّارَ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ وَجَلالِكَ لاَ يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلَهَا، ثُمَّ حَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، قال: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ وَجَلالِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لاَ يَبْقَى أَحَدٌ إلاَّ دَخَلَهَا ) )رواه أبو داودَ والتِّرمذيُّ والنسائيُّ، وقال الترمذيُّ: حسَنٌ صحيحٌ.

وفي"الصَّحيحَيْنِ"مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ -رضي اللَّهُ عنه-، قال: إنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، يُقالُ هَذَا مَقْعَدُكَ، حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) )، وفي"الصَّحيحَيْنِ"واللَّفظُ للبخاريِّ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ قال: انْخسَفَت الشَّمسُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-، فذَكَر الحديثَ، وفيه فقالوا: رَأَيناكَ تناولْتَ شيئًا في مَقامِكَ ثم رأيناكَ تكَعْكعْتَ، فقال: (( إنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، وَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا لَوْ أَصَبْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ ... ) )الحديثَ.

وفي صحيحِ مسلمٍ مِن حديثِ أنسٍ -رضي اللَّهُ عنه-: (( وَايْمُ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاَ وَلَبَكَيْتُمْ كثيرًا ) )، قالوا: وما رأيتَ يا رسولَ اللَّه؟ قال: (( أَعَدَّ اللَّهُ الجَنَّةَ لأَوْلِيَائِهِ وَأَعَدَّ النَّارَ لأَعْدَائِهِ ) )، ولم يَزلْ على ذَلِكَ أهلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ حتى نَبَغَتْ نابِغةٌ مِن المعتزِلةِ والقَدَريَّةِ، فأنكَرتْ ذَلِكَ وزَعَمَتْ أَنَّ اللَّهَ يُنْشِئُهما يومَ القيامةِ، وأنَّ إيجادَهما الآنَ عَبَثٌ، وحَمَلَهم على ذَلِكَ أَصْلُهم الفاسدُ الذي وَضَعوا بِهِ شريعةً لِما يَفعَلُه اللَّهُ، وأنَّه ينبغي أنْ يَفعَلَ كذا، ولا يَنبغِي له أنْ يَفعَلَ كذا، وقَاسُوه على خَلقِه في أفْعالِهم، فهُم مُشبِّهةٌ في الأفعالِ، معطِّلةُ في الصِّفاتِ، والأدلَّةُ على بطلانِ هَذَا القولِ أكثرُ مِن أنْ تُحصى، كما تكاثرتْ أدلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ على دوامِ الجَنَّةِ والنَّارِ، وأنَّهما لا تَفنيانِ أبدًا ولا تَبيدانِ، قال تعالى: (أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا) وقال: (إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ) وقال: (وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ) وقال في النَّارِ: (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) وقال: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) إلى غير ذَلِكَ مِن الأدلَّةِ التي لا تُحصرُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت