الصفحة 154 من 233

( ولهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في القيامَةِ شَفاعَاتٌ:

أَمَّا الشَّفاعَةُ الأوْلى؛ فيشفَعُ في أَهْلِ المَوْقِفِ حَتى يُقْضَى بينَهُمْ بعدَ أَنْ يَتَرَاجَعَ الأنْبياءُ: آدَمُ، ونوحٌ، وإِبراهيمُ، ومُوسى، وعِيسى ابنُ مَرْيَمَ عن الشَّفاعَةِ حتى تَنْتَهِيَ إِليهِ، وأمَّا الشَّفاعَةُ الثَّانيةُ؛ فيشْفَعُ في أَهْلِ الجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلوا الجَنَّةَ، وهاتانِ الشَّفاعَتانِ خاصَّتانِ لَهُ، وأَمَّا الشَّفاعةُ الثَّالِثَةُ؛ فيشفَعُ فيمَنِ استَحَقَّ النَّارِ، وهذهِ الشَّفاعَةُ لهُ ولِسائِرِ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقينَ وغيْرِهِمْ، فَيَشْفَعُ فيمَنِ استَحَقَّ النَّارَ أَنْ لا يَدْخُلَها، ويَشْفَعُ فيمَنْ دَخَلَها أَنْ يَخْرُجَ مِنْها. [1]

(1) قولُه: (ولَهُ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- ثلاثُ شَفاعاتٍ) الشَّفاعةُ الأولى في أهلِ الموقِفِ حتى يُقضى بينهم بعدَ أنْ يتدافَعَها الأنبياءُ أصحابُ الشرائعِ: آدمُ، ونوحٌ، وإبراهيمُ، وموسى، وعيسى -عليهم السَّلامُ-، وقد تكاثَرت الأحاديثُ في إثباتِها، فورَدَتْ مِن حديثِ أبي بكرٍ الصِّديقِ، وأنسٍ، وأبي هريرةَ، وابنِ عبَّاسٍ، وابنِ عُمرَ، وحذيفةَ، وعقبةَ بنِ عامرٍ، وأبي سعيدٍ الخدريِّ، وسلمانَ، وغيرِهم، وَهِيَ المرادةُ بقولِه -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ ) )الحديثَ، وهَذَا الحديثُ ذَكَرَ السيوطيُّ أنَّه مُتواتِرٌ، وَهَذِهِ الشَّفاعةُ خاصَّةٌ بِهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- وَهِيَ مُجمَعٌ عليها لم يُنْكِرْها أحدٌ.

قولُه: (وأما الشَّفاعةُ الثَّانِيةُ فيَشْفَعُ في أهلِ الجَنَّةِ أنْ يدخُلوا الجَنَّةَ) وقد ذَكَرها أبو هريرةَ في حديثِه الطَّويلِ المتَّفَقِ عليه، وفي صحيحِ مسلمٍ عن أنسٍ -رضي اللَّهُ عنه- أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( أَنَا أَوَّلُ شَفيِعٍ فِي الجَنَّةِ ) )، وَهَذِهِ الشَّفاعةُ كالتي قَبلَها خاصَّتانِ له -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-.

قولُه: (الثَّالثةُ فيَشْفَعُ فيمَنْ استحَقَّ النَّارَ أنْ لا يدخُلَها) إلخ: فَهِذِهِ الشَّفاعةُ في عُصاةِ الموحِّدين الذين يَدخُلون النَّارَ بِذُنوبِهم، والأحاديثُ بها متواتِرةٌ عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- وقد أَجْمعَ عليها الصَّحابةُ وأهلُ السُّنَّةِ قَاطِبةً، وبدَّعوا مَن أنْكَرها وصاحُوا بِهِ مِن كُلِّ جانبٍ ونادَوْا عليه بالضَّلالِ.

قولُه: (ولِسائِرِ) أي: باقِي وجميعِ، وَذَلِكَ لِما روى ابنُ ماجهْ في حديثِ عثمانَ: يَشفَعُ يومَ القيامةِ ثلاثةٌ: الأنبياءُ، ثم العلماءُ، ثم الشُّهداءُ. وفي الصَّحيحِ عن أبي سعيدٍ عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: شَفَعَتِ الْمَلاَئِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَومًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ ) )الحديثَ، ذَكَر المصنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- هَذِهِ الأنواعَ الأربعةَ، وزادَ في شَرحِ الطَّحاويَّةِ وغيرِه أربعةَ أنواعٍ أُخَرَ، فيكونُ الجميعُ ثمانيةً بالأربعةِ التي ذَكَرها المصنِّفُ.

والخامِس: شفاعَتُه لقومٍ مِن أهلِ الجَنَّةِ في زيادةِ ثوابِهم ورِفعةِ دَرجاتِهم، وَهَذِهِ مما لم ينُازِعْ فيه أحدٌ.

السَّادسُ: شَفاعَتُه -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في قومٍ تَساوَتْ حَسناتُهم وسيِّئاتُهم، فيَشفَعُ فيهم ليَدخُلوا الجَنَّةَ.

السَّابِعُ: شفاعَتُه في أقوامٍ أنْ يَدخلوا الجَنَّةَ مِن غيرِ حسابٍ ولا عذابٍ، ويَحْسُنُ أنْ يُستشْهَدَ لهَذَا النَّوعِ بما في"الصَّحيحَيْنِ"مِن حديثِ عُكَّاشةَ بنِ مِحصنٍ حين دعا له النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أنْ يَجعَلَه مِن السَّبْعِينَ ألْفا الذين يَدخلون الجَنَّةَ مِن غيرِ حسابٍ ولا عذابٍ.

الثَّامِنُ: شفاعَتُه -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في بعضِ أهلِه الكفَّارِ مِن أهلِ النَّارِ، حتى يُخفَّفَ عذابُه وَهَذِهِ خاصَّةٌ بأبي طالبٍ، فإن قيل إنَّ أبا طالبٍ مات كافرًا وقد قال اللَّهُ -سُبْحَانَهُ- وتعالى: (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) فأجابَ بعضُ العلماءِ بقولِه: إنَّ شفاعةَ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- لأبي طالبٍ شفاعةُ تخفيفٍ لا شفاعةُ إخراجٍ، والمقصودُ في الآيةِ أنها لا تَنفعُهم في الإخراجِ مِن النَّارِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت