ثُمَّ كَتَبَ اللهُ في اللَّوْحِ المَحْفوظِ مَقاديرَ الخَلْقِ، فأَوَّل مَا خَلَقَ اللهُ القَلَم قالَ لهُ: اكْتُبْ. قالَ: ما أَكْتُبُ؟ قالَ: اكْتُبْ مَا هُو كَائِنٌ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ. فمَا أَصَابَ الإِنْسانَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، ومَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصيبَهُ، جَفَّتِ الأْقلامُ، وطُوِيَتِ الصُّحُفُ. [1]
(1) قولُه: (ثُمَّ كَتَبَ اللَّهُ في اللَّوحِ) إلخ هَذِهِ المرتبةُ الثَّانيةُ مِن مراتبِ الإيمانِ بالقدَرِ، وَهِيَ مرتبةُ الكتابةِ، وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ كتَبَ مقادِيرَ الخلائقِ وما هُوَ كائنٌ إلى يومِ القيامةِ في اللَّوحِ المحفوظِ، فأعمالُ العِبادِ تَجري على ما سَبَقَ في عِلمِه وكتابَتِه، والأدِلَّةُ مِن الكِتابِ والسُّنَّةِ على إثباتِ هَذِهِ المرتبةِ كثيرةٌ جِداًّ، وأَجمعَ على إثباتِها الصَّحابةُ والتَّابعونَ وجميعُ أهلِ السُّنَّةِ والحديثِ، قال اللَّهُ تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ) الآيةَ، وفي سُننِ أبي داودَ عن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- يقولُ: (( أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ قَالَ: ومَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ) )وفي الصَّحيحِ مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِين أَلْفِ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ) ). وأفادَ هَذَا الحديثُ أَنَّ التَّقديرَ وَقَعَ بعد خَلقِ العرشِ، فدلَّ على أَنَّ العرشَ مخلوقٌ قبلَ القَلمِ.
ققولُه: (فما أصابَ الإنسانَ) إلخ هَذَا هُوَ حقيقةُ الإيمانِ بالقدَرِ فما يُصيبُ الإنسانَ ممَّا يَضُرُّه ويَنفَعُه فكُلُّه مُقدَّرٌ عليه، ولا يُصِيبُ العبدَ إلاَّ ما كُتِبَ له مِن مقاديرَ ذَلِكَ في الكتابِ السَّابقِ، كما قال -سُبْحَانَهُ-: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) وفي حديثِ ابنِ عبَّاسٍ -رضي اللَّهُ عنهما- أَنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال له: (( وَاعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ ... ) )الحديثَ.
قولُه: (جَفَّتِ الْأَقْلاَمُ وَطُوِيتِ الصُّحُفُ) هَذَا كنايةٌ عن تَقدُّمِ كتابةِ المقاديرِ كُلِّها، والفَراغِ منها مِن أمدٍ بعيدٍ، وقد دلَّ الكِتابُ والسُّنَّةُ على مِثلِ هَذَا المعنى، كما في حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ المتقدِّمِ: (( وَاعْلَمْ أَنَّ الأمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ) )رواه التِّرمذيُّ وقال: حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
وفي"الصَّحيحَيْنِ"مِن حديثِ أبي هريرةَ -رضي اللَّهُ عنه- أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال له: (( جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاقٍ ) ). وفي صحيحِ مسلمٍ عن جابرٍ -رضي اللَّهُ عنه- أنَّ رَجُلًا قال: يا رسولَ اللَّهِ: فِيمَ العَملُ؟ أفيما جَفَّتْ بِهِ الأقلامُ وجَرتٍ بِهِ المقاديرُ؟أَمْ فيما يُستقبَلُ؟ قال: (( فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأقلامُ وَجَرَتْ بِهِ المقاديرُ ) )، قال: فَفِيمَ العملُ؟ قال: (( اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ) ). قال ابنُ القيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: قد تَضَمَّنَ هَذَا الحديثُ الرَّدَّ على القدَريَّةِ والجبريَّةِ، وإثباتَ القدَرِ والشَّرعِ، وإثباتَ الكتابِ الأوَّلِ المتضمِّنِ لعِلمِ اللَّهِ -سُبْحَانَهُ- الأشياءَ قَبلَ كونِها، وإثباتَ خَلقِ الفِعلِ الجَزائيِّ، وهُوَ يُبطِلُ أُصولَ القدَريَّةِ الذين يَنفونَ خَلقَ الفِعلِ مُطلقًا، ومَن أَقَرَّ مِنهم بِخَلقِ الفِعلِ الجَزائيِّ دُونَ الابتداءِ هَدَمَ أَصْلَه ونقَضَ قاعدتَه، والنَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أخبَرَ بِمِثلِ ما أخبَرَ بِهِ الرَّبُّ أَنَّ العبدَ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له لا مجبورٌ، فالجَبْرُ لفظٌ بِدْعيٌّ، والتَّيسِيرُ لفظُ القرآنِ والسُّنَّةِ. ا.هـ.
قولُه: (الأقلامُ) ذِكرُ الأقلامِ في هَذِهِ الأحاديثِ وغيرِها مجموعةً، دليلٌ على أنَّ للمقاديرِ أقلامًا غيرَ القَلَمِ الأوَّلِ الذي تَقدَّمَ ذِكْرُه مع اللَّوحِ المحفوظِ، والذي دَلَّتْ عليه السُّنَّةُ أَنَّ الأقلامَ أربعةٌ.
الأوَّلُ: القَلَمُ العَامُّ الشَّامِلُ لجميعِ المخلوقاتِ، وهُوَ الذي كُتِبَ بِهِ مقاديرُ كُلِّ شيءٍ.
الثَّاني: خبَرُ خَلقِ آدمَ، وهُوَ قَلمٌ عامٌّ أيضًا لكنْ لبَنِي آدمَ، وورَدَ في هَذِهِ آياتٌ تَدلُّ على أَنَّ اللَّهَ قدَّرَ أعمالَ بني آدمَ وأرْزَاقَهم وآجالَهم وسعادَتهم عَقِيبَ خَلقِ أَبيهِم.
الثَّالثُ: حين يُرسَلُ المَلَكُ إلى الجنينِ في بطنِ أُمِّهِ فيَنفُخُ فيه الرُّوحَ ويُؤمَرُ بأربعِ كلماتٍ: بكَتْبِ رِزْقِه، وأجَلِه، وعَمَلِه، وشَقِيٌّ أو سعيدٌ.
الرَّابعُ: الموضوعُ على العبدِ عندَ بُلوغِه، الذي بأيدِي الكِرامِ الكاتِبينَ الذين يَكتبون ما يَفعلُه بنو آدمَ، كما وَرَدَ ذَلِكَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ. انتهى. مِن كلامِ ابنِ القَيِّمِ.