فُتعادُ الأرواحُ إِلى الأجْسادِ ). [1]
(1) قولُه: (فتُعادُ الأرواحُ إلى الأجسادِ) وَذَلِكَ حين يَنفُخُ إسرافيلُ في الصُّورِ نفخةَ البَعثِ والنُّشورِ، قال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ) وإذا أُطلِقَ النَّفخُ في الصُّورِ فالمرادُ بِهِ نفخةُ البَعثِ، والأرواحُ جمعُ رُوحٍ وهُوَ ما يَحيا بِهِ الإنسانُ، وهُوَ مِن أمرِ اللَّهِ، كما قال -سُبْحَانَهُ-: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) .
قال شيخُ الإسلامِ تَقيُّ الدِّينِ: ورُوحُ الآدميِّ مخلوقةٌ مُبدَعةٌ باتِّفاقِ سلَفِ الأمَّةِ وأئمَّتِها وسائرِ أهلِ الحديثِ، وقد حَكىَ إجماعَ الأمَّةِ على أنَّها مخلوقةٌ غيرُ واحدٍ مِن أئمَّةِ السَّلَفِ، ويَجبُ الإيمانُ بالبعثِ والنُّشورِ، ويَكْفُرُ الإنسانُ بإنكارِه، قال اللَّهُ -سُبْحَانَهُ-: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) والبعثُ لغةً: إثارةُ الشَّيءِ، والمرادُ بِهِ هنا إحياءُ الأمواتِ وخُروجُهم مِن قُبورِهم ونحوُها إلى حُكمِ يومِ القيامةِ، والبعثُ والنُّشورُ مترادفانِ، وهما بمعنى إعادةِ الأبدانِ وإدخالِ الأرواحِ فيها، يُقالُ: نَشَرَ الميِّتَ وأَنْشَرَهُ بمعنى أَحْيَاه، وأمَّا الحشْرُ فهُوَ لغةً: الجمْعُ، تقولُ: حشَرْتُ النَّاسَ إذا جَمعْتُهم، والمرادُ جَمعُ أجزاءِ الإنسانِ بعد تَفرُّقِها ثم إحياءُ الأبدانِ بعد مَوْتِها، فيَبعثُ اللَّهُ جميعَ العِبادِ ويُعيدُهم بعد موتِهم، ويَسوقُهم إلى مَحْشَرِهم لفَصْلِ القضاءِ بينهم، وأدِلَّةُ ذَلِكَ في الكِتاب والسُّنَّةِ والإجماعِ.
قال ابنُ القيِّمِ وغيرُه: معادُ الأبدانِ متَّفقٌ عليه بين المسلِمِينَ واليهودِ والنَّصارى، قال جَلالُ الدِّينِ الدَّارنيُّ: هُوَ بإجماعِ أهلِ المِلَلِ، وبِشَهادَةِ نُصوصِ القرآنِ الذي لا يَقبَلُ التَّأويلَ، كقوله -سُبْحَانَهُ-: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) ، وقد أَخْرَجَ ابنُ جريرٍ، وابنُ المنذِرِ، وأبو حاتمٍ، والضِّياءُ في المختارةِ، وابنُ مردوَيْهِ، والبيهقيُّ عن ابنِ عبَّاسٍ قال: جاءَ العاصُ بنُ وائلٍ إلى النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- بعَظمٍ حائِلٍ ففَتَّه بيدِه، فقال يا مُحَمَّدُ: يُحْيِي اللَّهُ هَذَا بعدَ ما أَرِمَ؟ قال: (( نَعَمْ يَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا، ثُمَّ يُمِيتُكَ، ثُمَّ يُحْيِيكَ، ثُمَّ يُدْخِلُكَ نَارَ جَهَنَّمَ ) )، فنَزَلَت الآياتُ مِن آخرِ سورةِ يس: (أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ) الآياتِ، فهَذَا نصٌّ صريحٌ في الحشْرِ الجُسمانيِّ، وقد وَردَ في عِدَّةِ مواضعَ مِن القرآنِ التَّصريحُ بِهِ بحَيْثُ لا يَقبلُ التَّأويلَ، فيجبُ الإيمانُ به، واعتقادُه، ويَكْفُرُ مُنكِرُه كما تَقدَّمَ.
وأمَّا النَّفخُ في الصُّورِ فيُنفخُ فيه ثلاثُ نفَخاتٍ: نفخةُ الفَزَعِ وَهِيَ التي يَتغَيَّرُ بها العالَمُ، قال اللَّهُ -سُبْحَانَهُ-: (وَمَا يَنظُرُ هَؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَا لَهَا مِن فَوَاقٍ) أي رجوعٍ ومَرَدٍّ، وقال تعالى: (وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ) سُمِّيتْ نفخةَ الفَزَعِ لِما يَقعُ مِن هولِ تِلْكَ النَّفْخَةِ، والنَّفخةُ الثَّانيةُ: نَفخةُ الصَّعقِ، وفيها هلاكُ كُلِّ شيءٍ قال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ) الآيةُ.
وفُسِّرَ الصَّعقُ بالموتِ وهُوَ متناوِلٌ حتى الملائكةَ، والاستثناءُ متناوِلٌ لمَن في الجَنَّةِ مِن الحُورِ العِين وغيرِهم، الثَّالثُ: نفخةُ البَعثِ والنُّشورِ، قال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ) وقال: (ونُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ) وأَخرجَ ابنُ جريرٍ والبيهقيُّ وغيرُهما مِن حديثِ أبي هريرةَ -رضي اللَّهُ عنه- قال: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ: وما الصُّورُ؟ قال: (( عَظِيمٌ إِنَّ عِظَمَ دَارِهِ فِيهِ كَعَرْضِ السَّماءِ وَالأَرْضِ، فَيُنْفَخُ فِيهِ ثَلاَثَ نَفَخَاتٍ: الأُولى: نَفْخَةُ الْفَزَعِ، والثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) ). انتهى.