الصفحة 146 من 233

( وتَقومُ القِيامَةُ التي أَخْبَرَ اللهُ بها في كِتابِهِ، وعلى لِسانِ رسولِهِ، وأَجْمَعَ عليها المُسْلِمُونَ.

فَيَقُومُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّ العَالَمينَ. [1]

حُفَاةً عُراةً غُرْلًا، وتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، ويُلْجِمُهُمُ العَرَقُ. [2]

(1) قولُه: (فيَقومُ النَّاسُ مِن قُبورِهم) إلخ. قال -سُبْحَانَهُ-: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) وروى مسلمٌ في"صحيحِه"عن ابنِ عُمرَ مرفوعًا: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) قال: يقومُ النَّاسُ حتى يَغِيبَ أحدُهم في رَشْحِه إلى نِصفِ أُذُنِه، وفي البخاريِّ ومسلمٍ وغيرِهما عن ابن عبَّاسٍ -رضي اللَّهُ عنهما- قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- يَخْطُبُ على المِنبرِ يقولُ: (( إِنَّكُمْ مُلاَقُو رَبِّكُمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا) وزادَ في روايةٍ (( مُشَاةً ) ). وفي روايةٍ فيهما قال: قام رسولُ اللَّهِ فِينا بموعظةٍ، فقال: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إلى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا:(كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نَّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) .

(2) قولُه: (حُفاةً) جمعُ حافٍ: وهُوَ الذي ليس عليه نَعلٌ ولا خُفٌّ.

قولُه: (عُراةً) جمعُ عارٍ: وهُوَ الذي ليس عليه لِباسٌ، وقولُه: (غُرْلًا) بِضَمِّ الغَيْنِ المعجمةِ، وإسكانِ الرَّاءِ جمعُ أَغْرَلَ: وهُوَ الأقلفُ، وفي"الصَّحيحَيْنِ"مِن حديثِ عائشةَ -رضي اللَّهُ عنها- قالتْ: قلتُ: يارسولَ اللَّهِ، الرِّجالُ والنِّساءُ جميعا يَنْظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ؟ قال: (( الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَلِكَ ) ). قال العلماءُ رَحِمَهُم اللَّهُ: مراتبُ المعادِ: البَعثُ والنُّشورُ، ثم المَحْشَرُ، ثم القِيامُ لربِّ العالَمِينَ، ثم العَرْضُ، ثم تطايُرُ الصُّحُفِ، وأَخْذِها باليمينِ والشِّمالِ، ثم السُّؤالُ والحِسابُ ثم الميزانُ. انتهى.

قولُه: (تَدْنُو مِنهم الشَّمسُ ويُلْجِمُهم العَرَقُ) أي: تَقْرُبُ منهم الشَّمسُ حتى تكونَ قَدْرَ مِيلٍ أو ميلَيْنِ، كما روى مسلمٌ عن المقدادِ -رضي اللَّهُ عنه- قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- يقولُ: (( إذا كان يومُ القيامةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ العِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قَدْرَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ ) )، قال: (( فَتَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ فَيَكُونُونَ فِي الْعَرَقِ كَقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى عَقِبَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إلجامًا ) ).

قولُه: (عَقِبيْهِ) هُوَ مؤخَّرُ القَدمِ، وقولُه: (حَقويهِ) الحَقْوُ مَعْقِدُ الإزارِ.

قولُه: (يُلجِمُهم العَرَقُ) أي: يَصِلُ إلى أفواهِهم فيصيرُ لهم بمنزلةِ اللِّجامِ يَمنعُهم عن الكلامِ. انتهى. نهاية.

وقولُه: (( يُلجِمُهم العرق ) )ظاهرُه التَّعميمُ، لكنْ دَلَّتْ أحاديثُ على أنَّه مخصوصٌ بالبعضِ، وهُم الأكثُرُ، ويُستثنى مِن ذَلِكَ الأنبياءُ والشُّهداءُ ومَنْ شاءَ اللَّهُ. انتهى.

وأَخرجَ الشَّيخانِ عن أبي هريرةَ مرفوعًا: (( يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ، فهَذَا الْيَوْمُ الْعَظِيمُ، فِيهِ مِنَ الأَهْوَالِ الْعَظِيمَةِ وَالشَّدَائِدِ الَجَسِيمَةِ مَا يُذِيبُ الأَكْبَادَ، وَيُذْهِلُ الْمَرَاضِعَ، وَيُشِيبُ الأوْلادَ، قال اللَّهُ تعالى:(يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) . قولُه: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ) وَذَلِكَ يومَ القيامةِ، وهُوَ حقٌّ ثابتٌ، وَرَدَ بِهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت