الصفحة 143 من 233

فأَمَّا الفِتْنَةُ؛ فإِنَّ النَّاسَ [ يُمْتَحَنونَ ] في قُبُورِهِمْ، فَيُقالُ للرَّجُل: مَنْ رَبُّكَ؟ ومَا دِينُكَ؟ و [ من ] نبيُّكَ؟ [1]

(1) قولُه: (فإنَّ النَّاسَ يُفتَنُون في قُبورِهم) أي: بأنْ تُعادَ إليهم أرواحُهم، كما في حديثِ البراءِ وغيرِه، فتُعادُ إليه رُوحُه إعادةً غيرَ الإعادةِ المألوفةِ في الدُّنْيَا، لِيُسألَ ويُمتَحنَ في قبرِه. انتهى. وهَذَا الرَّدُّ إعادةٌ خاصَّةٌ تُوجِبُ حياةَ البَدنِ قبلَ يومِ القيامةِ، فإنَّ الرُّوحَ لها بالبَدَنِ خمسةُ أنواعٍ مِن التَّعلُّقِ متغايرةُ الأحكامِ: أحدُها: تَعلُّقُها بِهِ في بَطنِ الأُمِّ جَنِينًا. الثَّاني: تعلقها بِهِ بعدَ خُروجِه إلى الأرضِ. الثَّالثُ: تَعلُّقُها بِهِ حالَ النَّومِ، فلها تَعلُّقٌ بِهِ مِن وجهٍ ومُفارَقةٌ مِن وجهٍ. الرَّابعُ: تعلُّقُها بِهِ في البَرزخِ، فإنَّها وإنْ فارَقتْه وتجرَّدَتْ عنه فإنَّها لم تُفارِقْه فِراقًا كُلِّيا. الخامِسُ: تعلُّقُها بِهِ يومَ بَعثِ الأجسادِ، وهَذَا أَكْملُ أنواعِ تعلُّقِها بالبَدنِ، ا. هـ. مِن كتابِ الرُّوحِ.

قولُه: (فيُقالُ للرَّجُلِ) أيْ: للإنسانِ مِن رُجُلٍ وامرأةٍ وغيرِهما ممَّن ورَدَت الأدِلَّةُ أنَّه يُمتَحنُ في قبرِه، أي يقولُه له المَلَكانِ، واسمُهما (المُنكَرُ والنَّكيرُ) نَصَّ على ذَلِكَ أحمدُ، وفي حديثِ أبي هريرةَ: (( يَأْتِيهِ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَلِلآخَرِ النَّكِيرُ ) )رواه ابنُ حِبَّانَ والتَّرمذِيُّ، وفي روايةِ ابنِ حِبَّانَ: (( يُقالُ لَهُمَا مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ ) )وقولُه منكرٌ مُفْعلٌ، ونَكيرٌ فَعِيلٌ بمعنى مفعولٍ مِن أَنْكَرَ، وكِلاهما ضِدُّ المعروفِ، وسُمِّيا به؛ لأنَّ الميِّتَ لم يَعرِفْهُما ولم يَرَ صورةً مِثلَ صورَتِهما، وظاهرُ هَذَا ومقتضَى الأحاديثِ استواءُ النَّاسِ في اسمِهما، وذَكَر بعضُ العلماءِ أنَّ اللذَيْنِ يسألانِ المؤمِنَ اسمُهما البَشيرُ والمُبَشِّرُ، والأوَّلُ هُوَ الصَّحيحُ.

قولُه: (فيُقالُ للرَّجُلِ مَن رَبُّكَ) إلخ. كما أَخرجَ الشَّيخانِ مِن حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ -رضي اللَّهُ عنه- عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في قولِه: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الآيةَ، نَزَلَتْ في عذابِ القبرِ، زادَ مسلمٌ: (( فَيُقَالُ لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ) )فذَلِكَ: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) الآيةَ.

وفي الصَّحيحَيْنِ مِن حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ -رضي اللَّهُ عنه- أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولاَنِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ ) )لمُحَمَّدٍ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- (( فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ مَقْعَدَكَ مِنَ النَّارِ وَقَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ: فَيَرَاهُمَا جَميعًا - يعني الْمَقْعَدَيْنِ ) ).

قال قتادةُ: ذُكِرَ لنا أنَّه يُفسَحُ له في قبرِه، وأمَّا المنافِقُ والكافرُ فَيُقالُ له: ما تقولُ في هَذَا الرَّجُلِ؟ فيقولُ: لا أدري، كنتُ أقولُ ما يقولُ النَّاسُ، فيقال: لا دَرَيْتَ، ولا تَلَيْتَ، ويُضْرَبُ بِمِطْرَاقٍ مِن حديدٍ ضَربةً فيَصِيحُ صيحةً يَسمَعُه مَن يَلِيه غيرُ الثَّقلَيْنِ.

قولُه: (فإنَّ النَّاسَ يُفتنون) إلخ، ظاهرُه أنَّ السُّؤالَ في القبرِ عامٌّ للمؤمِنِ والفاسِقِ والكافرِ، كما اختاره الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ وابنُ القيِّمِ وجمهورُ العلماءِ، خِلافًا لابنِ عبدِ البَرِّ، حَيْثُ قال: لا يُسألُ إلا مؤمِنٌ أو مُنافِقٌ كان مَنسوبًا لِدِينِ الإسلامِ بظاهرِ الشَّهادةِ، بخلافِ الكافرِ، والكِتابُ والسُّنَّةُ تدلُّ على خلافِ هَذَا القولِ، قال اللَّهُ تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) وفي البخاريِّ: (( وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولُ لاَ أَدْرِي) بالواو، ورَجَّحَه أيضًا ابنُ حجَرٍ، ويفيدُ أيضًا أنَّ السُّؤالَ عامٌّ للأُمَمِ كُلِّها، ليس خاصًّا بهذهِ الأمَّةِ، كما اختاره ابنُ القيِّمِ وعبدُ الحقِّ الإشبيليُّ وغيرُهم، وجَزَم بِهِ القرطبيُّ، وقال الحكيمُ التِّرمذيُّ: إنَّه خاصٌّ بهذه الأمَّةِ، وتَوقَّفَ ابنُ عبدِ البَرِّ، ويُستثنَى ممَّا تقدَّمَ المرابِطُ في سبيلِ اللَّهِ، فقد صَحَّ أنَّه لا يُفْتَنُ في قبرِه، كما في صحيحِ مسلمٍ وغيرِه، وكشهيدِ المعركةِ، والصَّابرِ في الطَّاعونِ، وغيرِ هؤلاء ممَّا جاءَ في الأحاديثِ.

قولُه: (في قبورِهم) وكذا مَن لم يُدْفَنْ مِن مصلوبٍ ونحوِه ينالُه نصيبُه مِن فتنةِ السُّؤالِ وضغطةِ القبرِ. قال ابنُ القيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- في كتابِ (الرُّوحِ) وممَّا ينبغي أنْ يُعلَمَ أنَّ عذابَ القبرِ هُوَ عذابُ البَرزخِ، فكُلُّ مَن ماتَ، وهُوَ مستحِقٌّ للعذابِ نالَه نصيبُه مِن ذَلِكَ قُبِرَ أو لم يُقْبَرْ، فلو أَكَلتْهُ السِّباعُ أو أُحرِقَ حتى صار رمادًا أو نُسِفَ في الهواءِ أو غَرِقَ في البَحرِ، وصَلَ إلى رُوحِه وبَدنِه مِن العذابِ ما يَصِلُ إلى المقبورِ. ا.هـ.

وقولُه: (فيُقالُ للرَّجُلِ) ظاهرُه اختصاصُ السُّؤالِ بالمكلَّفِ، أمَّا الصَّغيرُ فجَزَم غيرُ واحدٍ مِن الشَّافعيَّةِ أنَّه لا يُسألُ، وجَزَم القرطبيُّ في التَّذكِرةِ بأنَّه يُسألُ، وهُوَ منقولٌ عن الحَنفِيَّةِ.

وأفادَ قولُه: (فيُقالُ للرَّجُلِ) إلى آخرِه أنَّ السُّؤالَ والجوابَ يكونُ باللُّغةِ العربيَّةِ، خِلافا لما ذُكِرَ عن البَلقينيِّ أنَّه يُجِيبُ باللُّغةِ السُّريانِيَّةِ؛ إذْ لا دليلَ عليه، وأفادَ أيضًا أنَّ السُّؤالَ في القَبرِ للرُّوحِ والبَدنِ، وَكَذَلِكَ عذابُ القبرِ ونَعيمُه، والأدلَّةُ صريحةٌ بِذَلِكَ، وعليه أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، وأفاد قولُه: (فيَقولانِ له) أنَّ الملائكةَ الذين يسألُونَ في القَبرِ اثنانِ، وزَعَم بعضُهم أنَّهم أربعةٌ، والصَّحيحُ الأوَّلُ للأدلَّةِ الصَّحيحةِ في ذَلِكَ، وأفاد أيضًا أنَّ السُّؤالَ مَرَّةٌ واحدةٌ.

وقال القسطلانيُّ: وذَكَر ابنُ رجبٍ عن بعضِهم أنَّ المؤمِنَ يُفتَنُ سَبعًا والكافِرُ أربعين صباحًا، ومِن ذَلِكَ كانوا يَستحِبُّون أنْ يُطعَمَ عن المؤمنِ سبعةَ أيامٍ مِن يومِ دَفْنِه. قال: وهَذَا مما انفرَدَ بِهِ، ولا أَعْلَمُ أنَّ أحدًا قالَه غيرَه. انتهى.

وأفاد أيضًا أنَّ عذابَ القبرِ واقعٌ على الكفارِ، ومنْ شاءَ اللَّهُ مِن الموحِّدِينَ، وأفاد ذَمَّ التَّقليدِ في الاعتقاداتِ لمُعاقَبةِ مَن قال سمعتُ النَّاسَ يقولون شيئا فقُلْتُه، وأفاد أيضًا أنَّ الميِّتَ يُحْيَا في قبرِه للمسألةِ، خلافا لابنِ حَزْمٍ، وقد سَبَقَت الإشارةُ إلى ذَلِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت