كَمَا يَشاءُ اللهُ تَعالى). [1]
( فصلٌ: ومِن الإِيمانِ باليومِ الآخِرِ الإِيمانُ بكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِه النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَكُونُ بعدَ المَوْتِ، فيؤِمنُونَ بفِتْنَةِ القَبْرِ، وبِعذابِ القَبْرِ ونَعيِمهِ. [2]
(1) قولُه: (كما يشاءُ اللَّهُ) أي: مِن غيرِ إحاطةٍ ولا تَكييفٍ، كما نَطَقَ بِذَلِكَ الكتابُ وفسَّرَتْه السُّنَّةُ على ما أرادَ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ- وعَلِمَه، وكُلُّ ما جاءَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ فهُوَ كما قال معناه على ما أراد، ولا نَدخُلُ في ذَلِكَ متأوِّلِيَن بآرائِنا، ولا مُتَوَهِّمِينَ بأهوائِنا، كما قال الإمامُ الشَّافِعيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: آمنتُ باللَّهِ على ما جاءَ مِن عندِ اللَّهِ على مُرادِ اللَّهِ، وآمنتُ برسولِ اللَّهِ وبما جاءَ عن رسولِ اللَّهِ على مُرادِ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-.
(2) فَصلٌ: قولُه: (الإيمانُ باليومِ الآخِرِ) الذي هُوَ أحدُ أُصولِ الإيمانِ السِّتَّةِ المذكورةِ في حديثِ عُمرَ وغيرِه، والمرادُ بالإيمانِ بِهِ التَّصدِيقُ بما يَقعُ مِن الحسابِ، والميزانِ، والجَنَّةِ، والنَّارِ، وغيرِ ذَلِكَ، وسُمِّيَ باليومِ الآخِرِ لتأخُّرِه عن الدُّنْيَا.
قولُه: (الإيمانُ بكُلِّ ما أخبَرَ بِهِ النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- مما يكونُ بعدَ الموتِ) أيْ: مِن فِتنةِ القبرِ وعذابِه ونَعيمِه، وكونِه حُفرةً مِن حُفَرِ النَّارِ، أو رَوْضةً مِن رياضِ الجَنَّةِ، وتوسِيعِه على بعضٍ وتَضييقِه على بعضٍ، وضَغْطِه، ونحوِ ذَلِكَ، وإعادةِ الرُّوحِ إلى الميِّتِ، فيؤمنون بما يَقعُ في البَرْزَخِ ممَّا وَرَدَتْ بِهِ الأدلَّةُ، والبَرزخُ لُغةً: الحاجِزُ بين الشَّيْئَيْنِ، كما قال -سُبْحَانَهُ وتعالى-: (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ) أي حاجزٌ، وفي الشَّرعِ: البَرزخُ مِن وقتِ الموتِ إلى القيامةِ مَن ماتَ دَخَلَه، وسُمِّيَ بَرزخًا لكونِه يَحجِزُ بين الدُّنْيَا والآخرةِ.
قولُه: (فِتنةِ القبرِ) الفتنةُ لغةً: الامتحانُ والاختبارُ، والفَتَّانانِ منكرٌ ونكيرٌ، ويُريدُ بفتنةِ القبرِ مسألةَ مُنكرٍ ونكيرٍ، ويجبُ الإيمانُ بِذَلِكَ لثُبوتِه عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في عِدَّةِ أخبارٍ يَبلُغُ مجموعُها حَدَّ التَّواتُرِ.
قولُه: (وبعذابِ القبرِ ونَعِيمِه) تَواتَرَت الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في ثُبوتِ عذابِ القبرِ، ولمَن كان أهلًا لذَلِكَ، فيَجبُ اعتقادُ ذَلِكَ والإيمانُ به، ولا يُتكَلَّمُ في كَيفيَّتِه، إذْ ليس للعقلِ وقوفٌ على كيفيَّتِه؛ لكونِه لا عَهْدَ له بِهِ في هَذِهِ الدَّارِ، وعلى هَذَا دَرَجَ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وأَنْكَرَ الخوارجُ والمعتزِلةُ وبعضُ المُرْجِئةِ.
قال ابنُ رجبٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: تَواتَرَت الأحاديثُ عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في عذابِ القبرِ، ففي الصَّحيحَيْنِ عن عائشةَ -رضي اللَّهُ عنها- أنها قالت: سألتُ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- عن عذابِ القبرِ قال: (( نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ ) )وفي صحيحِ مسلمٍ عن ابنِ عباسٍ عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أنَّه كان يُعلِّمُهم هَذَا الدُّعاءَ كما يُعلِّمُهم السُّوَرَ مِن القرآنِ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ،وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ) )وفي الصَّحيحَيْنِ مِن حديثِ ابن عباسٍ -رضي اللَّهُ عنهما- قال: مَرَّ النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- بقبرَيْنِ فقال: (( إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ) )ثم قال: (( بَلَى إِنَّهُ كَبِيرٌ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ) ).
وقال المرُّوذِيُّ: قال أبو عبدِ اللَّهِ أحمدُ بنُ حنبلٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: عذابُ القبرِ حَقُّ لا يُنكِرُه إلا ضالٌّ مُضِلٌّ. ا.هـ. وعذابُ القبرِ على الرُّوحِ والبَدَنِ.
قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين -رَحِمَهُ اللَّهُ-: العذابُ والنَّعيمُ على النَّفْسِ والبَدنِ جميعًا باتِّفاقِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ.