يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ وهُمْ في عَرَصَاتِ القِيامَةِ، ثُمَّ يَرَوْنَهُ بعْدَ دُخولِ الجَنَّةِ؛ [1]
(1) قولُه: (يَرَوْنَه في عَرَصاتِ القيامةِ) كما في الصَّحيحَيْنِ مِن حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ، وأبي هريرةَ -رضي اللَّهُ عنهما-، وفي أفرادِ مسلمٍ عن جابرٍ في حديثِه: (( إنَّ اللَّهَ يَتَجَلَّى لِلْمُؤْمِنِينَ ) )يعني في العَرَصاتِ.
قولُه: (العَرَصاتِ) جَمْعُ عَرَصةٍ، وَهِيَ كُلُّ موضعٍ واسعٍ لا بناءَ فيه، وعَرَصةُ الدَّارِ وسَطُها، وعَرَصاتُ القيامةِ مواقِفُ الحسابِ والعَرْضِ وغيرِ ذَلِكَ، ويَرَوْنه بعد دُخولِ الجَنَّةِ، كما في حديثِ جابرٍ -رضي اللَّهُ عنه- قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( بَيْنَا أَهْلُ الجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ فَرَفَعُوا أَبْصَارَهُمْ فَإِذَا الرَّبُّ -جَلَّ جَلاَلُهُ- قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الجَنَّةِ ) )وهُوَ قولُ اللَّهِ -سُبْحَانَهُ-: (سَلاَمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ) فلا يَلتفِتون إلى شيءٍ ممَّا هُم فيه مِن النَّعيمِ ما دامُوا يَنظُرون إليه حتى يَحتجِبَ عنهم، وتَبْقى بركتُه ونُورُه، رواه ابنُ ماجهْ وغيرُه، قال ابنُ القيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: ففي هَذَا الحديثِ إثباتُ صفةِ الكلامِ، وإثباتُ الرُّؤْيةِ، وإثباتُ العُلُوِّ، والمُعطِّلةُ تُنكِرُ هَذِهِ الثَّلاثةَ وتكفِّرُ القائلَ بها، ا. هـ.
وأمَّا ما استدَلَّ بِهِ المعتزِلةُ وغيرُهم مِن نُفاةِ الرُّؤْيَةِ مِن قولِه -سُبْحَانَهُ وتعالى-: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) ، وقولِه لموسى: (لَنْ تَرَانِي) فالجوابُ: أنَّ الآيةَ الأُولى هي على جوازِ الرُّؤْيَةِ أَدَلُّ منها على امتناعِها، فإنَّ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ- إنَّما ذَكَرَها في سياقِ التَّمدُّحِ، ومعلومٌ أنَّ المدحَ إنَّما يكونُ بالأوصافِ الثُّبوتِيَّةِ، وأمَّا العدَمُ المحْضُ فليس بكمالٍ ولا يُمدَحُ به، فلو كان المرادُ بكونِه: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) أنَّه لا يُرى بحالٍ لم يَكُنْ في ذَلِكَ مدحٌ ولا كمالٌ لمُشاركةِ المعدومِ له في ذَلِكَ، فإنَّ العدَمَ الصِّرْفَ لا يُرى ولا تُدرِكُه الأبصارُ، والرَّبُّ -سبحانَهُ وتعالَى- جَلَّ جَلالُهُ- يتعالى أنْ يُمدَحَ بما يُشارِكُه فيه العَدمُ المحضُ، فإذًا المعنى أنَّه يُرى ولا يُدْرَكُ ولا يُحاطُ، فقولُه: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) يَدلُّ على غايةِ عظمَتِه، وأنَّه أكبرُ مِن كُلِّ شيءٍ، وأنَّه لعظَمَتِه لا يُدْرَكُ بحَيْثُ يُحاطُ به، فإنَّ الإدْراكَ هُوَ الإحاطةُ بالشيءِ، وهُوَ قَدْرٌ زائدٌ على الرُّؤْيَةِ، كما قال تعالى: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ) فلَمْ يَنْفِ موسى الرُّؤْيَةَ، ولم يُريدوا بقولِهم: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) إنَّا لمرئِيُّونَ، فإنَّ موسى -عليه السَّلامُ- نَفَى إدراكَهُم إيَّاهُم بقولِه: كلاَّ، وأخبَرَ أنَّه لا يخافُ دَركَهُم بقولِه (لاَ تَخَافُ دَرَكًا وَلاَ تَخْشَى) فالرُّؤْيَةُ والإدراكُ كُلٌّ منهما يُوجَدُ مع الآخَرِ وبدُونه، فالرَّبُّ يُرى ولا يُدركُ، كما يُعلمُ ولا يُحاطُ به، وهَذَا الذي فَهِمَه الصَّحابةُ والأئمَّةُ مِن الآيةِ. قال ابنُ عباسٍ: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) لا تُحيطُ به، وقال قتادةُ: هُوَ أَعْظمُ مِن أنْ تُدرِكَه الأبصارُ. انتهى. مُلخَّصًا، مِن حادى الأرواحِ.
وأجابَ بعضُهم بقولِه: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) أي: في الدُّنْيَا، وبأنَّ نفْيَ الإدراكِ لا يَستلزِمُ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ، لإمكانِ رُؤيةِ الشَّيءِ مِن غيرِ إحاطةٍ بحقيقَتِه، والجوابُ عن الاستدلالِ بقولِه لموسى: (لَنْ تَرَانِي) استدلالٌ فاسدٌ، والآيةُ حُجَّةٌ عليهم، فإنَّها دالَّةٌ على الرُّؤْيَةِ مِن وجوهٍ (أحدُها) أنَّه لا يُظَنُّ بموسى -عليه السَّلامُ- أنْ يسألَ ربَّه مَا لا يجوزُ عليه. (الثَّاني) أنَّه لم يُنكِرْ عليه سؤالَه، ولو كان مُحالًا لأنكَره عليه. (الثَّالثُ) أنَّه أجابَه بقولِه: (لَن تَرَانِي) ولم يَقُلْ إنِّي لا أُرَى، أو لا تَجوزُ رُؤيتي، فهَذَا يدلُّ على أنَّه يُرى ولكنَّ موسى لا تَحتمِلُ قُواه رُؤيتَه في هَذِهِ الدَّارِ لِضَعْفِ قوَّةِ البَشرِ فيها عن رُؤيتِه تعالى، إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الوجوهِ الدَّالَّةِ على أنَّ الآيةَ فيها إثباتُ الرُّؤْيَةِ، وليست دالَّةً على نَفْيِها، كما يقولُه المعتزِلةُ وأشباهُهم في إثباتِ الرُّؤيةِ، هَذَا مع ما جاء من الأحاديث الدَّالَّةِ على إثباتِ الرُّؤْيَةِ، والتي تلقَّاها المسلمون بالقَبولِ مِن لَدُن الصَّحابةِ والتَّابِعينَ، حتى حَدَثَ مَن أَنكَرَ الرُّؤْيَةَ وخَالَفَ السَّلَفَ.