الصفحة 140 من 233

فصل: ( وقَدْ دَخَلَ أَيضًا فيما ذَكَرْناهُ مِن الإِيمانِ بهِ وبِكُتُبِهِ وبملائِكَتِهِ وبِرُسُلِهِ: الإِيمانُ بأَنَّ المؤمِنينَ يَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ عيانًا بأَبصارِهِمْ كَمَا يَرَوْنَ الشَّمْسَ صحوًا ليسَ [ بها ] سحابٌ، وكَما يَرَوْنَ القَمَرَ ليلَةَ البَدْرِ لا يضامونَ في رُؤيَتِهِ. [1]

(1) فصلٌ: قولُه: (وقد دخَلَ فيما ذكرناه) إلخ. أي قد دَخلَ في الإيمانِ باللَّهِ وبكتُبِه وملائكِتِه ورُسلِه الإيمانُ بأنَّ المؤمنينَ يَرَوْنَه -سُبْحَانَهُ- يومَ القيامةِ، فمَن لم يُؤمِنْ بأنَّه -سُبْحَانَهُ- يُرى يومَ القيامةِ فقد ردَّ أدلَّةَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وخالَفَ ما عليه سَلَفُ الأمَّةِ وأئمَّتُها، ولم يؤمِنْ باللَّهِ وملائكتِه وكتُبِه ورُسلِه.

قال أحمدُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: مَن لم يَقُلْ بالرُّؤيةِ فهُوَ جهميٌّ، وقال أبو داودَ: سمعتُ الإمامَ أحمدَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- يقولُ: مَن قال: إنَّ اللَّهَ لا يُرى في الآخرةِ فهُوَ كافرٌ، وقال: مَن زَعَم أنَّ اللَّهَ لا يُرى في الآخرةِ فقد كفَرَ باللَّهِ وكذَّبَ بالقرآنِ، وردَّ على اللَّهِ أمْرَه يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلاَّ قُتِلَ، وقال ابنُ خزيمةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: إنَّ المؤمنينَ يَرَوْنَ ربَّهم خالَقهم يومَ المَعادِ، ومَن أَنكَرَ ذَلِكَ فليس بمؤمنٍ عندَ المؤمنين.

وقال ابنُ القيِّم -رَحِمَهُ اللَّهُ-: دلَّ الكِتابُ والسُّنَّةُ المتواتِرةُ وإجماعُ الصَّحابةِ وأئمَّةِ أهلِ الإسلامِ والحديثِ على أنَّ اللَّهَ يُرى يومَ القيامةِ بالأبصارِ عِيانًا كما يُرى القمرُ ليلةَ البدْرِ، وكما تُرى الشَّمسُ صَحْوًا، فإنْ كان لِمَا أخبَرَ اللَّهُ بِهِ ورسولُه حقيقةً - وأنَّ له واللَّهِ حقُّ الحقيقةِ - فلا يُمْكِنُ أنْ يَرَوْهُ إلاَّ مِن فَوقِها لاستحالةِ أنْ يَرَوْهُ مِن أسفلَ منهم أو وراءَهم أو قُدَّامَهم ونحوُ ذَلِكَ، ولا يجتمعُ في قلبِ عبدٍ اطَّلعَ على هَذِهِ الأحاديثِ وفَهِمَ معناها إنكارُها والشَّهادةُ بأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ أبدًا، ا.هـ.

قولُه: (بأنَّ المؤمنينَ يَرَوْنَه) كما تواترتْ بِذَلِكَ الأدِلَّةُ، وهَذَا بخلافِ الكفارِ، فإنَّهم لا يَرَوْنَه -سُبْحَانَهُ- قال تعالى: (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبَّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) قال الشَّافعيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: لمَّا أنْ حُجِبَ هؤلاء في السَّخَطِ كان في هَذَا دَليلٌ على أنَّ أولياءَه يَرَوْنَه في حالِ الرِّضا، قال ابنُ كثيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وهَذَا الذي قالَه الإمامُ الشَّافِعيُّ في غايةِ الحُسْن، وهُوَ استدلالٌ بمفهومِ هَذِهِ الآيةِ، كما دَلَّ عليه منطوقُ قولِه تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) وكما دَلَّتْ على ذَلِكَ الأحاديثُ المتواتِرةُ في رؤيةِ المؤمنينَ لِربِّهم في الدَّارِ الآخرةِ بالأبصارِ في عَرَصاتِ القيامةِ، وفي رَوضاتِ الجنَّاتِ الفاخِرةِ. ا. هـ.

قولُه: (يومَ القيامةِ) إشارةٌ للرَّدِّ على مَن زَعَم أنَّه -سُبْحَانَهُ- يُرى في الدُّنْيَا، كما يقولُه بعضُ المتَصوِّفةِ، وهَذَا باطلٌ تَردُّه الأدِلَّةُ كما في صحيحِ مسلمٍ مِن حديثِ أبي ذَرٍّ -رضي اللَّهُ عنه- أنَّه سألَ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: هل رأى رَبَّهُ؟ فقال: (( نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ ) )أيْ: حالتْ بيني وبينَ رؤيَتِه الأنوارُ، وقالتْ عائشةُ -رضي اللَّهُ عنها: مَنْ حدَّثَكَ أنَّ محمَّدا رأى ربَّه فقد كَذَبَ، وفي صحيحِ مسلمٍ مرفوعًا: (( وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْ رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا ) )وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين -رَحِمَهُ اللَّهُ-: أهلُ السُّنَّةِ متَّفِقونَ على أنَّ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ- لا يَراهُ أحدٌ بعينهِ في الدُّنْيَا، لا نَبِيٌّ ولا غيرُ نَبِيٍّ، وإنَّما يُروى ذَلِكَ بإسنادٍ موضوعٍ باتِّفاقِ أهلِ المعرفةِ.

قولُه: (عِيانًا بأبصارِهم) ، كما في حديثِ جريرٍ وغيرِه، وقولُه: (عِيانًا) بكَسْرِ العَينِ مِن قولِكَ: عايَنْتُ الشَّيءَ عِيانا، إذا رأَيْتَه بعينَيْكَ، أيْ: تَرَوْنَه رؤيةً محققَّةً لا خفاءَ فيها، قال ابنُ القَيِّمِ: وقولُه (عيانًا) تحقيقًا للرُّؤيةِ ونَفْيا لتَوهُّمِ المجازِ الذي يَظُنُّه المعطِّلون. ا. هـ.

قولُه: (كما يَرَوْنَ الشَّمَس صَحْوًا) إلخ. كما في الصَّحيحَيْنِ مِن حديثِ أبي هريرةَ أنَّ أناسًا قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، هل نَرى ربَّنا يومَ القيامةِ؟ فقال رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ ) )قالوا: لا يا رسولَ اللَّهِ، قال: (( هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسَ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ ) )قالوا: لا، قال: (( فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كذَلِكَ ) )وتَقدَّمَ حديثُ جريرٍ، إلى غيرِ هَذِهِ الأحاديثِ التي بَلَغَتْ حَدَّ التَّواتُرِ، والتي يَجزِمُ مَن أحاطَ بها عِلمًا أنَّ الرَّسولَ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قالها، فَهِذِهِ الأحاديثُ فيها إثباتُ الرُّؤْيةِ، وَالرَّدُّ على الأشاعرةِ والقائِلينَ بأنَّه -سُبْحَانَهُ- يُرى مِن غيرِ مُواجَهةٍ ومعايَنةٍ.

قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وهَذَا قولٌ انفَرَدوا بِهِ دُون سائرِ طوائفِ الأمَّةِ وجمهورِ العُقلاءِ على أنَّ فسادَ هَذَا معلومٌ بالضَّرورةِ.

وقولُه: (صَحْوًا) أي: ذاتُ صَحْوٍ، أيْ: انْقْشَعَ عنها الغَيْمُ.

وقولُه: (كما تَرَوْن) إلخ، هَذَا تَشبيهٌ للرُّؤْيَةِ بالرُّؤيةِ، فإنَّ الكافَ حرفُ تشبيهٍ دخَلَ على الرُّؤْيَةِ ولم يُشَبِّه المَرْئيَّ، فإنَّه -سُبْحَانَهُ- لا شَبِيهَ له ولا مَثِيلَ ولا نَظِيرَ.

وقولُه: (لا تُضَارُّونَ في رُؤْيَتِه) قال في النِّهايةِ: يُروى بالتَّشديدِ والتَّخفيفِ، فالتَّشديدُ معناه لا يَنْضَمُّ بعضُكم إلى بعضٍ، وتتزاحَمُون وقتَ النَّظرِ إليه، ويجوزُ ضَمُّ التَّاِء وفتْحُها، ومعنى التَّخفيفِ لا يَنالُكمْ ضَيمٌ في رُؤْيَتِه، فيَراهُ بعضُكم دُونَ بعضٍ، والضَّيْمُ الظُّلمُ، وأمَّا مَن زَعَم أنَّ الخبرَ يدلُّ على أنَّهم يَرَوْنَه لا في جهةٍ، هَذَا تفسيرٌ باطلٌ لم يَقُلْه أحدٌ مِن أئمَّةِ أهلِ العِلمِ، بل هُوَ تفسيرٌ منكَرٌ، فإنَّ الحديثَ يدلُّ صراحةً على أنَّه -سُبْحَانَهُ- يَتجلَّى تجليًا ظاهرًا، فيَرَوْنه كما تُرى الشَّمسُ والقمرُ بلا ضَيمٍ يَلْحقُهم في رُؤيتِه على هَذِهِ الرِّوايةِ، وعلى الرِّوايةِ الأخرى معناه لا يَنْضمُّ بعضُكم إلى بعضٍ، كما يَتضامُّ النَّاسُ عندَ رُؤيةِ الشَّيءِ الخفيِّ كالهلالِ. انتهى مِن كلامِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَةَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت