وهُوَ كَلامُ اللهِ؛ حُروفُهُ، ومَعانيهِ [1] .
(1) قولُه: (وهُوَ كلامُ اللَّهِ) لأنَّه هُوَ الذي ألَّفَه وأنشأَهُ، وأمَّا قولُه: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) الآيةَ، فإضافَتُه إليه إضافةُ تبليغٍ لا إضافةُ إنشاءٍ وابتداءٍ، فإنَّه قال: قولُ رَسولٍ، ولم يَقُلْ: قَولُ مَلَكٍ ولا نَبيٍّ، فإنَّ الرَّسولَ يُبلِّغُ كلامَ مُرسِلِه، وأيضًا فقولُه: أمينٌ دليلٌ على أنَّه لا يَزيدُ ولا يُنقِصُ، بل هُوَ أمينٌ على ما أُرِسلَ بِهِ يبلِّغُه عن مُرسِلِه، وأيضًا فإنَّ اللَّهَ كفَّرَ مَن جعَلَه قولَ البَشَرِ، ومُحَمَّدٌ بَشرٌ، فمَن جعَلَه قولَ مُحَمَّدٍ بمعنى أنَّ مُحَمَّدًا أو غيرَه أنشأَهُ فقد كفَرَ، وما ذَكَرَ اللَّهُ في القرآنِ عن موسى -عليه السَّلامُ- وغيرِه وعن فرعونَ وإبليسَ، فإنَّ ذَلِكَ الكلامَ كلامُ اللَّهِ إخبارًا عنهم، وكلامُ موسى وغيرِه مِن المخلوقينَ مخلوقٌ، والقرآنُ كلامُ اللَّهِ لا كلامُهم.
قولُه: (وهُوَ كلامُ اللَّهِ حُروفُه ومعانِيه) ليس شَيْءٌ مِنه كلامًا لغيرِه، لا لجبريلَ، ولا لمُحَمَّدٍ، ولا لغيرِهما، بل قد كفَّرَ اللَّهُ مَن جعَلَه قولَ البَشرِ، ولم يَقُلْ أحدٌ مِن السَّلَفِ إنَّ جبريلَ أَحْدَثَ ألفاظَه، ولا مُحَمَّدٌ، ولا أنَّ اللَّهَ خلَقَها في الهواءِ أو غيرِه مِن المخلوقاتِ، ولا أنَّ جبريلَ أخَذَها مِن اللَّوحِ المحفوظِ إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الأقوالِ المبتدَعةِ، بل أهلُ السُّنَّةِ يقولون: إنَّ القرآنَ عينُ كلامِ اللَّهِ، حُروفُه ومعانِيهِ، ليس كلامُ اللَّهِ الحروفَ دُونَ المعاني، ولا المعاني دُونَ الحروفِ، عَكْسُ ما عليه أهلُ البِدَعِ مِن المعتزِلةِ والأشاعرةِ والكلابِيَّةِ وغيرِهم؛ لأنَّ كلامَ المتكلِّم هُوَ عبارةٌ عن ألفاظِه ومعانيه، وعامَّةُ ما يُوجَدُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ وكلامِ السَّلَفِ فإنَّه عندَ إطلاقِه يَتناوَلُ اللَّفظَ والمعنى جميعًا لِشُمولِه لهما، فلفظُ القولِ والكلامِ وما تَصرَّفَ منهما مِن فِعلٍ ماضٍ ومضارعٍ وأمْرٍ ونحوِ ذَلِكَ إنَّما يُعرَفُ في القرآنِ وسائرِ كلامِ العربِ إذا كان لَفظًا ومعنًى.
قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: والصَّوابُ الذي عليه السَّلَفُ والأئمَّةُ: أنَّ الكلامَ حقيقةٌ في اللَّفظِ والمعنى، كما أنَّ الإنسانَ حقيقةٌ في البَدنِ والرُّوحِ، فالنِّزاعُ في النَّاطِقِ كالنِّزاعِ في مَنطِقِه. انتهى. والدَّليلُ على أنَّه حروفٌ حديثُ ابنِ مسعودٍ أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( مَنْ قَرَأَ الْقُرَآنَ فَأَعْرَبَهُ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ ) )وقال النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( اقْرَؤوا القرآنَ قَبلَ أَنْ يَأْتِيَ قَوْمٌ يُقِيمُونَ حُرُوفَهُ إِقَامَةَ السَّهْمِ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَتَعَجَّلُونَ آخِرَهُ وَلاَ يَتَأَجَّلُونَهُ ) )رواهُ بنحوِه أحمدُ، وأبو داودَ، والبيهقيُّ في"سُننِه"والضياءُ المقدسيُّ في"المختارةِ عن جابرٍ"وقال أبو بكرٍ وعمرُ -رضي اللَّهُ عنهما-: إعرابُ القرآنِ أحبُّ إلينا مِن حِفظِ بعضِ حُروفِه، وقال عليٌّ -رضي اللَّهُ عنه-: مَن كفَرَ بحرفٍ منه فقد كفَرَ بِهِ كُلِّهِ، واتَّفقَ المسلمونُ على عددِ سُورِ القُرآنِ وآياتِه وكلماتِه وحروفِه، ولا خلافَ بين المسلِمِينَ في أنَّ مَن جحَدَ مِن القرآنِ سورةً أو آيةً أو كلمةً أو حرفًا، مُتَّفَقٌ عليه أنَّه كافرٌ، وفي هَذَا حُجَّةٌ قاطعةٌ على أنَّه حروفٌ. انتهى.