الصفحة 137 من 233

بلْ إِذا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ في المصاحِفِ؛ لمْ يخْرُجْ بذلك عنْ أَنْ يَكونَ كَلامَ اللهِ تعالى حَقيقةً، فإِنَّ الكلامَ إِنَّما يُضَافُ حقيقةً إِلى مَنْ قالَهُ مُبْتَدِئًا، لا إِلى مَن قالَهُ مُبَلِّغًا مُؤدِّيًا. [1]

(1) قولُه: (بل إذا قرأه النَّاسُ) إلخ. قال تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ) ، وقال تعالى: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ) وقال تعالى: (يَتْلُو صُحُفًا مَّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) وفي حديثِ ابنِ عمرَ قال: نَهى رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أنْ يُسافَرَ بالقرآنِ إلى أرضِ العدوِّ مخافةَ أنْ يُنالَ بِسُوءٍ، وهَذَا الحديثُ رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ، إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الأدلَّةِ الدَّالَّةِ على أنَّ القرآنَ كلامُ اللَّهِ حقاًّ حَيْثُ تَلاهُ التَّالُونَ أو حَفِظَهُ الحافِظون أو كتَبَه الكاتِبونَ، وهُوَ المعجزةُ بلَفْظِه ومعناه.

قولُه: (فانَّ الكلامَ إنما يُضافُ) إلخ. قال تعالى: (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ) أي: مِن مُبَلِّغِه، فسماعُ كلامِ الرَّبِ وغيرِه يَنقسِمُ إلى قسمَيْنِ: مُطلَقٌ ومَقيَّدٌ. فالمُطلَقُ ما كان بغيرِ واسطةٍ، كما سَمِعَ موسى بنُ عِمرانَ كلامَ الرَّبِّ، وكما يَسمعُ جبريلُ وغيرُه كلامَه -سُبْحَانَهُ- وتكلِيمَه، ومنه قولُ الرَّسولِ: (( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ ) ).

وأمَّا المُقيَّدُ: فالسَّمعُ بواسطةِ المبلِّغِ كسَماعِ الصَّحابةِ، وسماعِنا لكلامِ اللَّهِ حقيقةً بواسطةِ المبلِّغِ عنه، ومنه قولُه: (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ) وكما في الحديثِ المتقدِّمِ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( أَلاَ رَجُلٌ يَحْمِلُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي ) )وكما قال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ لَمَّا خَرجَ على قريشٍ فقرأَ: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ) الآيةَ، فقالوا: هَذَا كلامُكَ أو كلامُ صاحبِكَ، فقال: ليس بكلامِي ولا بكلامِ صاحِبي، وإنما هُوَ كلامُ اللَّهِ، فبَيَّنَ أنَّ ما يُبلِّغُه ويتلوهُ هُوَ كلامُ اللَّهِ، وإنْ كان يبلِّغُه بأفعالِه وصَوتِه، والنَّاسُ إذا سمعوا مَن يروي قصيدةً أو كلامًا أو قرآنًا قالوا: هَذَا كلامُ فلانٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت