وأَنَّ هذا القرآنَ الَّذي أَنْزَلَهُ على محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُو كلامُ اللهِ حقيقةً، لا كَلامَ غيرِهِ.
ولا يجوزُ إِطلاقُ القَوْلِ بأَنَّهُ حِكايةٌ عَنْ كلامِ اللهِ، أَو عِبارَةٌ، [1]
(1) قولُه: (وأنَّ هَذَا القرآنَ) إلخ، قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ) الآيةَ. وقال: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) وقال: (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ) والأدلَّةُ على إثباتِ صفةِ الكلامِ كثيرةٌ لا تَنحصِرُ، والوصفُ بالتكلُّمِ مِن أوصافِ الكمالِ، وضِدُّهُ مِن أوصافِ النَّقْصِ، قال تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا) الآيةَ. فعُلمَ أنَّ عَدمَ التَّكلُّم نقصٌ يُستدلُّ بِهِ على عَدمِ ألوهيةِ العِجلِ.
قال البخاريُّ في صحيحِه: (( بابُ كلامِ الرَّبِّ تبارَك وتعالى مع أهلِ الجَنَّةِ ) )وساقَ فيه عدَّةَ أحاديثَ، فأفضلُ نعيمِ الجَنَّةِ رُؤيةُ وجْهِه -سُبْحَانَهُ- وتكليمُه، وكم في الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن دليلٍ على تكلُّمِ اللَّهِ لأهلِ الجَنَّةِ وغيرِهم، قال تعالى: (سَلاَمٌ قَوْلًا مَّن رَّبَّ رَّحِيمٍ) وعن جابرٍ -رضي اللَّهُ عنه- قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( بَيْنَمَا أَهْلُ الجَنَّة فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ فَرَفَعُوا أَبْصَارَهُمْ فَإِذَا الرَّبُّ -جَلَّ جَلاَلُهُ- قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الجَنَّةِ ) ). وهُوَ قولُه -سُبْحَانَهُ-: (سَلاَمٌ قَوْلًا مَّن رَّبَّ رَّحِيمٍ) الحديثَ، ويأتي إنْ شاءَ اللَّهُ.
ققولُه: (ولا يجوزُ إطلاقُ القولِ بأنَّه حكايةٌ عن كلامِ اللَّهِ أو عبارةٌ) كما تقولُه الأشاعرةُ والكلابيَّةُ، فالأشاعرةُ يقولون: إنَّ هَذَا الموجودَ المقروءَ عبارةٌ عن كلامِ اللَّهِ، والكلابيَّةُ يقولون: حكايةٌ عن كلامِ اللَّهِ، وبعضُ هؤلاء يقولُ: الخلافُ لفظيٌّ لا طائلَ تحتَه، فالأشاعرةُ والكلابيَّةُ يقولون: القرآنُ نوعانِ ألفاظٌ ومعاني، فالألفاظُ مخلوقةٌ وَهِيَ هَذِهِ الألفاظُ الموجودةُ، والمعاني قديمةٌ قائمةٌ بالنَّفْسِ، وَهِيَ معنى واحدٌ لا تَبَعُّضَ فيه ولا تَعدُّدَ، إنْ عُبِّرَ عنه بالعربيَّةِ كان قرآنا، وإنْ عُبِّرَ عنه بالعبرانيَّةِ كان توراةً، أو بالسُّرْيانيَّةِ كان إنجيلًا، وهَذَا القولُ تصوُّرُهُ كافٍ بمعرفةِ بُطلانِه، وليس لهم دليلٌ ولا شبهةٌ إلا بيتٌ يُنسَبُ للأخطلِ النَّصرانيِّ وهُوَ قولُه:
إنَّ الكلامَ لَفِي الفُؤادِ وإنَّما ... ... جُعِلَ اللِّسانُ على الفؤادِ دَليلا
وهَذَا البيتُ إنْ ثَبَتَ فمعناه: إنَّ الكلامَ يَخرجُ مِن القلبِ ويُعَبِّرُ عنه اللِّسانُ، وأمَّا الكلامُ الذي في اللِّسانِ فقط فهُوَ يُشبِهُ كلامَ النائمِ والهاذي ونحوِهما، وأدلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ تَرُدُّ هَذَا القولَ، والذي يَعقلُه العقلاءُ أنَّ الكلامَ صفةُ المتكلِّمِ المسموعِ منه، وأنَّ ما في النَّفْسِ لا يُسمَّى كلامًا بوجهٍ مِن الوجوهِ، كما في حديثِ: (( عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لم تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَتَكَلَّمْ ) )فهَذَا صريحٌ بأنَّ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ليس بكلامٍ.
إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الأدلَّةِ الدَّالَّةِ على بطلانِه، وأيضًا فإنَّ الحكايةَ تُماثِلُ المَحْكِيَّ، فمَن قال: إنَّ القرآنَ حكايةُ كلامِ اللَّهِ بهَذَا المعنى فقد ضَلَّ ضلالًا مُبِينًا، فإنَّ القرآنَ لا يَقدِرُ أحدٌ على أنْ يأتيَ بمِثلِه، ولا يَقدِرُ أحدٌ أنْ يأتيَ بما يَحكِيه، وأوَّلُ مَن قال إنَّه حكايةٌ عن كلامِ اللَّهِ عبدُ اللَّهِ بنُ سعيدِ بنِ كِلابٍ. وأمَّا القولُ: بأنَّه عبارةٌ عن كلامِ اللَّهِ كما هُوَ قولُ الأشاعرةِ فإنَّه يَلزَمُ عليه أنَّ كُلَّ تالٍ مُعبِّرا عمَّا في نَفْسِ اللَّهِ، والمعبِّرُ عن غيرِه هُوَ المُنْشِئ للعبارةِ، فيكونُ كُلُّ قارئٍ هُوَ المُنْشِئُ لعبارةِ القرآنِ، وهَذَا معلومُ الفسادِ بالضَّرورةِ.
قال ابنُ القيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- في"الصَّواعقِ"وهَذَا المذهبُ مبنيٌّ على مسألةِ إنكارِ قيامِ الأفعالِ الاختياريَّةِ باللَّهِ، ويُسمُّونَها مسألةَ حلولِ الحوادثِ، وحقيقتُها إنكارُ أفعالِه -سبحانَهُ وتعالَى- ورُبُوبِيَّتِه ومَشيئَتِه. انتهى. وأوَّلُ مَن قال بالعبارةِ هُوَ الأشعريٌّ، وهُوَ قولٌ باطلٌ كالقولِ بالحكايةِ، فإنَّ الأدلَّةَ دلَّتْ على أنَّ القرآنَ لفظُه ومعناه كلامُ اللَّهِ.
وأمَّا القولُ بأنَّ القرآنَ عبارةٌ عن كلامِ اللَّهِ أو حكايةٌ فهُوَ قولٌ مبتدَعٌ باطلٌ تَردُّهُ الأدلَّةُ، ولم يَقُلْ أحدٌ مِن السَّلَفِ بِذَلِكَ. قال الإمامُ أحمدُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: القرآنُ كَيْفَ تُصُرِّفَ فيه، فهُوَ غيرُ مخلوقٍ ولا نرى القولَ بالحكايةِ والعبارةِ، وغَلَّطَ مَن قال بهما وجَهَّلَه، وقال: هَذِهِ بدعةٌ لم يَقُلْ بها السَّلَفُ.
قال الحافظُ ابنُ حجَرٍ العسقلانيُّ في"الفتحِ"المنقولُ عن السَّلَفِ اتِّفاقُهم على أنَّ القرآنَ كلامُ اللَّهِ غيرُ مخلوقٍ، تَلقَّاهُ جبريلُ عن اللَّهِ وبلَّغهُ جبريلُ إلى مُحَمَّدٍ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- وبلَّغَه مُحَمَّدٌ إلى أُمَّتِه، انتهى. قال اللَّهُ -سُبْحَانَهُ-: (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ) ولم يَقُلْ ما هُوَ عبارةٌ عن كلامِ اللَّهِ والأصلُ الحقيقةُ، ومَن قال إنَّ المكتوبَ في الصُّحفِ عبارةٌ عن كلامِ اللَّهِ أو حكايةٌ عن كلامِ اللَّهِ وليس فيها كلامُ اللَّهِ، فقد خالَفَ الكِتابَ والسُّنَّةَ وسلَفَ الأمَّةِ، وكفى بِذَلِكَ ضلالًا. قال ابنُ القيِّمِ في (النُّونيَّةِ)
زَعَمُوا القُرآنَ عبارةً وحكايةً ... قُلنا كما زَعَموه قرآنانِ
هَذَا الذي نَتلُوه مخلوقٌ كما ... ... قال الوليدُ وبعدَه الفِئَتانِ
والآخرُ المعنى القديمُ فقائمٌ ... ... بالنَّفسِ لم يُسمعْ مِن الدَّيَّانِ
ودَليلُهم في ذَاكَ بيتٌ قالَه ... ... فيما يُقالُ الأخطلُ النَّصراني.
ولو كان ما في المصحفِ عبارةً عن كلامِ اللَّهِ، وليس هُوَ كلامَ اللَّهِ لِمَا حُرِّمَ على الجُنُبِ والمُحْدِثِ مَسُّهُ؟ ولو كان ما يَقرأُ القارئُ ليس هُوَ كلامَ اللَّهِ لَمَا حُرِّمَ على الجُنُبِ؟ بل القرآنُ كلامُ اللَّهِ محفوظٌ في الصُّدورِ، ومقروءٌ بالألسُنِ، مكتوبٌ في المصاحِفِ كما قال أبو حنيفةَ في"الفِقهِ الأكبرِ"وغيرُه: وهُوَ في هَذِهِ المواضِع كُلِّها حقيقةٌ لا يَصِحُّ نفيُه، والمجازُ يَصِحُّ نفْيُه، فلا يجوزُ أنْ يُقالَ ليس في المصحفِ كلامُ اللَّهِ ولا ما قَرأَ القارئُ كلامَ اللَّهِ.