الصفحة 135 من 233

وأَنَّ اللهَ تَكَلَّمَ بِهِ حَقيقةً. [1]

(1) قولُه: (وإنَّ اللَّهَ تكلَّمَ به حقيقةً) قال تعالى: (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ) والآياتُ والأحاديثُ - في إثباتِ كلامِه -سُبْحَانَهُ- وأنَّه تكلَّمَ بالقرآنِ - كثيرةٌ جِداًّ، وكُلُّها دالَّةٌ على أنَّه -سُبْحَانَهُ- تكلَّمَ حقيقةً لا مجازًا، بل حقيقةُ الإرسالِ تَبليغُ كلامِ المُرسَلِ، وإذا انْتَفَتْ عنه حقيقةُ الكلامِ، انْتَفَتْ عنه حقيقةُ الرِّسالةِ والنُّبوَّةِ، والرَّبُّ يَخلُقُ بقولِه وكلامِه، فإذا انتفَتْ عنه حقيقةُ الكلامِ انتفى عنه الخلقُ، وقد عابَ اللَّهُ آلهةَ المشركِين بأنَّها لا تتكلَّمُ ولا تُكلِّمُ عابدِيها، والجهميَّةُ وَصَفوا الرَّبَ بصفةِ هَذِهِ الآلهةِ، وقد تكاثَرَت الأدلَّةُ على أنَّ اللَّهَ نادَى وناجَى وأمَرَ ونَهى، وكُلُّ هَذَا دالٌّ أنَّه تكلَّمَ حقيقةً لا مجازًا، فاتَّضح بما ذكرناه أنَّ اللَّهَ يتكلَّمُ حقيقةً، وأمَّا مَن ادَّعى المجازَ بعدَ هَذَا البيانِ فقد شاقَّ اللَّهَ ورسولَه والمؤمنين، فالقرآنُ كلامُ اللَّهِ حُروفُه ومعانيه، هَذَا قولُ السَّلَفِ.

وفي قولِه: (حقيقةً) رَدٌّ على مَن زعم أنَّ كلامَه -سُبْحَانَهُ- معنى واحدٌ قام بذاتِ الباري لم يُسمَعْ منه، وإنَّما هُوَ الكلامُ النَّفْسانِيُّ ولم يتكلَّمْ بِهِ حقيقةً؛ لأنْ لا يُقالَ لمَن قامَ بِهِ الكلامُ النَّفْسانيُّ ولم يَتكلَّمْ بِهِ إنَّ هَذَا كلامٌ حقيقةً، وإلاَّ يلْزَمُ أنْ يكونَ الأخرسُ متكلِّما، ولَزِمَ أنْ لا يكونَ الذي في المصحَفِ عندَ الإطلاقِ هُوَ القرآنُ، ولا كلامُ اللَّهِ، ولكنَّه عبارةٌ عنه، ليست كلامَ اللَّهِ، كما لو أشار إلى شخصٍ بإشارةٍ مفهومةٍ فكَتَب ذَلِكَ الشَّخصُ عبارةً عن المعنى الذي أَوحاهُ إليه ذَلِكَ الأخرسُ، فالمكتوبُ هُوَ عبارةُ ذَلِكَ الشَّخصِ عن ذَلِكَ المعنى، فعندهم أنَّ المَلَكَ فَهِمَ منه معنى قائِمًا بنَفْسِه، لم يَسمَعْ منه حرفًا ولا صوتًا، بل فَهِمَ معنًى مجرَّدا ثم عبَّرَ عنه، فهُوَ الذي أحْدَثَ نَظْمَ القرآنِ وتأليفَه، وقد تَقدَّمَ الكلامُ في الرَّدِّ على مَن زَعَم أنَّ كلامَ اللَّهِ المعنى النَّفْسيُّ، وأنَّ الشَّيخَ تقيَّ الدِّينِ ردَّ ذَلِكَ مِن تِسعين وجهًا، كُلُّ واحدٍ يَدلُّ على بطلانِه بأدلَّةٍ نَقْلِيَّةٍ وعقليَّةٍ، وقال ابنُ القيِّمِ في (النُّونيَّةِ)

تِسعونَ وَجْهًا بَيَّنَتْ بُطلانَه ... ... أَعْنِي كلامَ النَّفْسِ ذا البُطلانِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت