الصفحة 134 من 233

منهُ بَدَأَ، وإِليهِ يَعودُ. [1]

(1) قولُه: (منه بَدَا) أي: ظَهَر وخَرجَ منه -سُبْحَانَهُ- أي: هُوَ المتكلِّمُ به، وهُوَ الذي أنْزَلَه مِن لَدُنْه، فمَن قال: إنَّه مخلوقٌ يقولُ: إنَّه خُلِقَ في بعضِ المخلوقاتِ القائمةِ بنَفْسِها، فمْن ذَلِكَ المخلوقِ نَزَلَ وبَدَأَ، ولم يَنْزِلْ مِن اللَّهِ، فإخبارُ اللَّهِ أنَّه مَنَزَّلٌ مِن اللَّهِ يُناقِضُ أنْ يكونَ قد نَزَلَ مِن غيرِه، قال تعالى: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنَّي) وقال: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ) .

وروى أحمدُ وغيرُه عن جُبيرِ بنِ نُفيرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( إِنَّكُمْ لَنْ تَرْجِعُوا إِلَى اللَّهِ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ ) )وقال خبَّابُ بنُ الأرتِّ: يا هِنتاه، تَقرَّبْ إلى اللَّهِ بما استطعْتَ فلن تَتَقرَّبَ إلى اللَّهِ بشيءٍ أحَبَّ إليه مما خَرجَ منه وقال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ لأصحابِ مسيلمةَ الكذَّابِ لمَّا سَمِعَ قرآنَ مسيلِمةَ: ويحكم أَيْنَ يذهبُ بعُقولِكم إنَّ هَذَا كلامٌ لم يَخُرجْ مِن إلْ، أيْ: مِن ربٍّ. وقال أحمدُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: كلامُ اللَّهِ مِن اللَّهِ ليس بِبايِنٍ منه، وهَذَا معنى قولِ السَّلَفِ: (( القرآنُ كلامُ اللَّهِ منه بَدا وإليه يعودُ ) ). ومقصودُ السَّلَفِ الرَّدُّ على الجهميَّةِ، فإنَّهم زَعَموا أنَّ القرآنَ خَلقَهُ اللَّهُ في غيرِه، فيكونُ قد بدا وخَرجَ مِن ذَلِكَ المَحلِّ الذي خُلِقَ فيه لا مِن اللَّهِ، كما يقولونَ كَلامُه لمُوسى خَرَجَ مِن الشَّجرةِ، فبيَّنَ السَّلَفُ والأئمَّةُ أنَّ القرآنَ مِن اللَّهِ بدا وخَرجَ، وذكروا قولَه سُبْحَانَهُ: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنَّي) فأخبَرَ أنَّ القولَ منه لا مِن غيرِه مِن المخلوقاتِ، و (مِن) لابتداءِ الغايةِ، فإنْ كان المجرورُ بها عَيْنًا يقومُ بنَفْسِه لم يكنْ صفةَ اللَّهِ، كقولِه: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّنْهُ) . وأمَّا إذا كان المجرورُ بها صفةً ولم يُذكَرْ لها مَحلٌّ كان صفةً لِلَّهِ، كقولِه: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنَّي) .

قولُه: (وإليه يعودُ) أي: يَرجِعُ، بأنْ يُسْرَى به في آخرِ الزَّمانِ، ويُرفَعُ فلا يَبْقى في الصُّدورِ مِنه ولا في المصاحِفِ منه آيةٌ، كما جاء ذَلِكَ في عِدَّةِ آثارٍ، وهُوَ أحدُ أشراطِ السَّاعةِ الكِبارِ، كما في حديثِ ابنِ مسعودٍ وغيرِه أنَّه قال:"يُسْرَى على القرآنِ فلا يبقى في المصاحفِ منه آيةٌ ولا في الصُّدورِ آيةٌ". أخْرَجه الطَّبرانيُّ وأخْرَجه ابنُ ماجهْ عن حُذيفةَ وأخْرَجه الدَّيلميُّ عن مُعاذٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت