الصفحة 12 من 233

مِنْ غَيْرِ تَحْريفٍ ولا تَعْطيلٍ [1]

(1) قولهُ: ( من غير تحريفٍ ) : أي تغييرٍ لألفاظِ الأسماءِ والصّفاتِ، أو تغييرٍ لمعانيها، وقد ذَمَّ اللهُ سبحانَه وتعالى الَّذين يحُرِّفُون الكَلِمَ عن مَوَاضِعِه، كما قالَ اللهُ سبحانه وتعالى عن اليهودِ: (مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ) أي يُغَيِّرُونَهُ ويُفَسِّرُونَهُ بغيرِ معناهُ، فالتَّحريفُ لغةً: التَّغييرُ وإِمَالَةُ الشَّيءِ عن وجهِهِ، يُقال انْحَرَفَ عن كذا أي مَالَ وعَدَلَ، واصطلاحًا: هو التَّغييُر لألفاظِ الأسماءِ والصّفاتِ أو معانيها، كقول الجَهْمِيَّةِ في قولِهِ سبحانه: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) أي اسْتَوْلَى، وقوله (وَجَاءَ رَبُّكَ ) أي أَمرُهُ، فالتَّحريفُ ينقسمُ إلى قسمين:

الأوَّلِ: تحريفُ اللفظِ، كقولِهم في (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ) بِنَصْبِ لفظِ الجلالةِ، وكقولِهِم في (استوَى ) : استولى، (وَجَاءَ رَبُّكَ ) أي أَمْرُهُ. وَيُرْوَى أنَّ جَهْمِيًّا طلبَ من أبي عمرو بِنِ اِلعلاءِ أحدِ القُرَّاءِ يقرأُ: (وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا) بِنَصْبِ لفظِ الجلالةِ، فقال له: هَبْنِي فَعَلْتُ ذلك فما تَصنَعُ بقولِه: (وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ) فَبُهِتَ الجَهْمِيُّ.

الثَّاني: التَّحريفُ المعنويُّ: كقولِهم في قوله سبحانه وتعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ) أي جَرَّحَهُ بِأَضَافِيِرِ الْحِكْمَةِ تَجْريحًا.

قال ابنُ القيّمِ رحمهُ اللهُ: والتَّحريفُ نوعان تحريفُ اللفظِ، وتحريفُ المعنى، فتحريفُ اللفظِ: العُدُولُ عن جِهَتِهِ إلى غيرِها، إمَّا بزيادةٍ أو نقصانٍ، وإمَّا بتغييرِ حَرَكةٍ إِعْرابيّةٍ أو غيرِ إِعْرابيّةٍ، فهذه أربعةُ أنواعٍ. وأمَّا تحريفُ المعنى: فهو العُدُولُ بالمعنى عن وجهِه وحقيقتِه، وإعطاءُ اللفظِ معنى لفظٍ آخرَ بِقَدَرٍ مَا مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُما.

قولُه: ( ولا تعطيلٍ ) : وهو لغةً: الإخلاءُ، يقالُ جِيدٌ عُطْلٌ، أي خَالٍ مِنَ الزِّينَةِ، قال الشّاعرُ:

وَجِيدٍ كَجِيدِ الرِّيم لَيْسَ بِفاحِشٍ إِذَا هِيَ نَصَّتْهُ وَلاَ بِمُعَطَّلِ

وأمَّا معناهُ هنا فهو جحدُ الصّفاتِ وإنكارُ قِيامِها بذاتِه سبحانَه، ونفيُ ما دلَّت عليه من صفاتِ الكمالِ، وأوَّلُ مَنْ قالَ بالتَّعطيلِ في الإسلامِ: الَجَعْدُ بنُ دِرْهَمٍ، فقتلهُ خالدُ بنُ عبدِ اللهِ القَسْرِيُّ بعدَ استشارةِ علماءِ زمانِه.

قال ابنُ القيّمِ رحمهُ اللهِ في (( النُّونِيَّةِ ) ):

وَلِذَا ضَحَّى بِجَعْدٍ خَالِدُ الـ قَسْرِيُّ يَوْمَ ذَبَائِحِ الْقُرْبَانِ

شَكَرَ الضَّحِيَّةَ كُلُّ صَاحِبِ سُنَّةٍ ِلله دَرُّكَ مِنْ أَخِي قُرْبَانِ

وتلقَّى عن الجعدِ مقالةَ التَّعطيلِ: الجَهْمُ بنُ صَفْوانَ التِّرْمِذِيُّ، فنشرها ونَاضَل عنها، فلذا نُسِبَ المذهبُ إليه، فيقالُ: جَهْميَّةٌ بفتحِ الجيمِ، والجهمُ قتَله سَلَمُ بنُ أَحْوَزَ أميرُ خُرَاسَانَ والتّعطيلُ ينقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، كما ذكره ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ:

الأوَّلِ: تعطيلُ المَصْنوعِ مِن صَانِعِهِ، كتعطيلِ الفلاسفةِ الَّذين زعَموا قِدَمَ هذه المخلوقاتِ، وأنَّها تتصرَّفُ بطبيعتِهَا.

الثَّاني: تعطيلُ الصَّانعِ مِن كَمَالِهِ المُقَدَّسِ بتعطيلِ أسمائهِ وصفاتهِ، كتعطيلِ الجهميَّةِ وأشباهِهِم من المعتزلةِ وغيرِهِم.

الثَّالثِ: تعطيلُ حَقِّ معاملتِه، بتركِ عبادتِه، أو عبادةِ غيرِهِ معَه.

قال ابنُ القيّمِ رحمه اللهُ: والتَّعطيلُ شرٌّ من الشّركِ، فإنَّ المُعَطِّلَ جاحدٌ للذَّاتِ أو لِكَمَالِها، وهو جَحْدٌ لحقيقةِ الألوهيّةِ، فإنَّ ذاتًا لا تسمعُ ولا تبصِرُ ولا تغضبُ ولا تَرْضى ولا تفعلُ شيئًا وليسَتْ داخلَ العالمِ ولا خارجَه ولا متّصلةً بالعالم ِ ولا منفصلةً ولا فوقَ ولا تحتَ ولا يمينَ ولا شِمالَ، هو والعدمُ سواءٌ، والمُشْرِكُ مُقِرٌّ باللهِ، لكنْ عبدَ معه غيرَه، فهو خيرٌ من المعطِّلِ للذَّاتِ والصّفاتِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت