و لا تَكْيِيفٍ [1]
(1) قولُه: ( ولا تكييفٍ) : وهو تعيينُ كُنْهِ الصّفةِ، يُقالُ كَيَّفَ الشّيءَ: أي جَعَلَ له كيفيّةً مَعْلومةً، وكيفيّةُ الشّيءِ صفتُه وحالُه، فالتّكييفُ تعيينُ كُنْهِ الصّفةِ وكيفيّتِها، وهذا ممَّا استأثرَ اللهُ به، فلا سبيلَ إلى الوصولِ إِليه، إذ الصّفةُ تابعةٌ للموصوفِ، فَكما لا يَعلمُ كَيْفَ هُوَ أَلاَّ هُوَ، فكذلك صفاتُهُ فالصّفاتُ يحُذَى فيها حَذْوَ الذّاتِ، وقد سُئِلَ مالكٌ رحمهُ اللهُ تعالى فقيلَ له: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) كيف اسْتَوى؟ فقال: الاستواءُ معلُومٌ، والكَيْفُ مَجْهُولٌ، والإِيماَنُ به وَاجِبٌ، والسُّؤالُ عنه بِدْعَةٌ، وكذلك رُوِيَ عن ربيعةَ نحوًا من هذه الإجابةِ، وكذلك رُوِيَ عن أمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فقوله: الاستواءُ مَعْلومٌ، أي في لغةِ العربِ، وقولُه: والكَيْفُ مجهولٌ، أي كيفيّةُ استوائِهِ سبحانه وتعالى لا يَعْلَمُ كُنْهَها وكيفيَّتَها إلا هو سبحانَه، وقولُهُ: الإيمانُ به واجبٌ، لتكاثرِ الأدلَّةِ من الكتابِ والسّنّةِ في إثباتِ ذلك، والسّؤالُ عنهُ، أي عن الكيفيّةِ بِدْعَةٌ، فَفَرَّقَ مالكٌ رحمه اللهُ بين المَعْنى المَعْلُومِ من هذه اللفظةِ، وبين الكَيْفِ الذي لا يَعْقِلُهُ البشرُ.
وإجابةُ مالكٍ رحمه الله تعالى وغيرِهِ جوابٌ كَافٍ شَافٍ في جميعِ مسائلِ الصّفاتِ، فإذا سُئلَ إنسانٌ عن المجيءِ أو النّزولِ أو السّمعِ أو البصرِ أو غيرِ ذلك، أجابَ بجوابِ مالكٍ رحمه اللهُ، فيُقالُ مثلًا: المَجِيءُ معلومٌ والكيفُ مجهولٌ، وكذلك مَنْ سُئِلَ عن الغضبِ والرّضى والضّحكِ وغيرِ ذلك فمعانيها كلُّها مفهومةٌ، وأمَّا كيفيَّتُها فغيرُ معقولةٍ، إذ تَعقُّلُ الكيفيّةِ فَرْعُ العِلْمِ بكيفيّةِ الذّاتِ وكُنْهِها، فإذا كانَ ذلك غيرَ معقولٍ للبشرِ فكيف يُعقلُ لهم كيفيّةُ الصّفاتِ؟!