الصفحة 11 من 233

والبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، والإِيْمانِ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، ومِنَ الإِيْمانِ باللهِ: الإِيمانُ بِمَا وَصَفَ بهِ نَفْسَهُ وَ وَصَفَهُ بهِ رَسُولُهُ محمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [1]

(1) وأمَّا الكلامُ على قولِه: ( والبعثِ بعدَ الموتِ والإيمانِ بالقدرِ ) فسيأتي إنْ شاءَ اللهُ.

قولُه: ( ومن الإيمانِ باللهِ الإيمانُ بما وصفَ به نفسَهُ ) : فمن جَحَدَ صفاتِ اللهِ سبحانه وتعالى فليسَ بمؤمنٍ، قال تعالى: (وهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ) الآية، وكذلك من عطَّلَها أو شَبَّهَهَا بصفاتِ خلقِه، قال نعيمُ بنُ حَمَّادٍ: من شبَّه اللهَ بخلقِه كفرَ، ومن نفى ما وَصَفَ به نفسَه فقد كفرَ، وليسَ فيما وصفَ اللهُ به نفسَه أو وصفَه به رسولُه تَشْبِيهًا وقال ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ في (( النُّونِيَّةِ ) ):

مَنْ شَبَّهَ اللهَ الْعَظِيمَ بِخَلْقِهِ فَهُوَالنَّسِيبُ لِمُشْرِكٍ نَصْرَاني

أَوْ عَطَّلَ الرَّحْمنَ مِنْ أْوصَافِهِ فَهُوَ الْكَفُورُ وَلَيْسَ ذَا إِيَمانِ

وفي قولهِ: ( بما وصفَ به نفسَهُ ووصفَهُ به رسولُه ) : إثباتُ أنَّ صفاتِه سبحانَه وتعالى إنما تُتلقَّى من السَّمعِ لا بآراءِ الخلقِ، فصفاتُه سبحانَه مَبْنِيَّةٌ على التَّوْقِيفِ فلا يُوصَفُ إلا بما وَصَفَ به نفسَه أو وَصَفَهُ بِه رسولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قال أحمدُ رحمهُ اللهُ: لا يُوصفُ اللهُ إلا بما وصفَ به نفسَه، أو وصفَهُ به رسولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا يتجاوَزُ القرآنَ والحديثُ.

قال ابنُ القيّمِ رحمهُ اللهُ في البَدَائِعِ: ما يُطلَقُ عليه في بابِ الأسماءِ والصّفاتِ تَوْقِيفِيٌّ، وما يُطلقُ عليه في بابِ الأخبارِ لا يجبُ أَنْ يكونَ تَوْقِيفِيًّا كالشَّيءِ والموجودِ والقديمِ ونحوِ ذلك.

ذكَر المصنِّفُ رحمهُ اللهُ تعالى هذا الأصلَ العظيمَ في بابِ الأسماءِ والصّفاتِ، فَيُنَاسِبُ أن نَضُمَّ إليه عدّةَ أصولٍ مجموعةٍ من كتبِ المحقّقينَ لتكونَ كالمقدّمةِ.

أوَّلا: إنَّ أسماءَ اللهِ وصفاتِه غيرُ محصورةٍ بعددٍ معروفٍ، وأمَّا حديثُ (( إنَّ لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسمًا مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجنَّةَ ) )فليسَ فيه حَصْرٌ لها، وإنَّما غايةُ ما فيه: أنَّ هذه الأسماءَ مَوْصُوفَةٌ بأنَّ من أَحْصاها دخلَ الجنَّةَ، كما تقولُ عندي مائةُ عبدٍ عَدَدْتُهُمْ للجهادِ في سبيلِ اللهِ، فلا يُنافي أنّ لديك عبيدًا غيرَهم أعْددتَهُم لغيرِ ذلك.

ثانيًا: إنَّ الصّفاتِ تنقسمُ إلى قسمين:

القسمِ الأوّلِ: صفاتٌ ذَاتِيَّةٌ، وهي الَّتي لا تَنْفَكُّ عنه بِحَالٍ، كالغِنَى، والقدرةِ، والعُلوِّ، والرَّحمةِ، ونحوِ ذلك من الصّفاتِ الَّتي هي من لوازمِ ذاتِهِ.

القسمِ الثَّاني: صفاتٌ فعليّةٌ، وهي كلُّ صفةٍ تَعَلَّقَتْ بمشيئتهِ وإرادتهِ، ويُعَبَّرُ عنها بالأفعالِ الاختياريّةِ، كالاستواءِ والمَجِيءِ والنّزولِ ونحوِ ذلك.

ثالثًا: أركانُ الإيمانِ بالأسماءِ والصّفاتِ، الإيمانُ بالصّفةِ وما دلَّتْ عليه من المعنى وبما تعلَّقَ بها من الآثارِ، فَتُؤْمِنُ بأنّه عليمٌ، وذو علمٍ عظيمٍ، وأنَّه لا تَخْفَى عليه خَافِيةٌ.

رابعًا: ليسَ في أسماءِ اللهِ وصفاتِه نفيٌ مَحْضٌ، بل كلُّ نفيٍ وُجِدَ في أسماءِ الله وَصِفاتِه فهو لإثباتِ كمالٍ ضِدِّه، إذِ النَّفيُ المحضُ عَدَمٌ، والعدمُ ليس بشيءٍ، فضلًا عن أنْ يُمْدَحَ به، كما قالَ تعالى: (وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) أي لِكَمالِ عَدْلِهِ، (وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا ) ، أي لكمالِ قوّتِه واقتدارِهِ.

خامسًا: طريقةُ أهلِ السّنّةِ والجماعةِ، هو الإجمالُ في النَّفيِ والتَّفصيلُ في الإثباتِ كما دلَّ على ذلك الكتابُ والسّنّةُ، قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) فَأَجْمَلَ في النّفيِ وَفصَّل في الإثباتِ، وهذا عكسُ ما عليه أهلُ البدعِ من الجَهْمِيَّةِ والمُعتزلَةِ وأشباهِهم فإنَّهم يُجْمِلون في الإثباتِ ويُفَصِّلون في النَّفي.

سادسًا: أسماءُ اللهِ سبحانه وتعالى وصفاتُه هي بِالنَّظَرِ إلى الذَّاتِ من قبيلِ المترادفِ، وبالنّظرِ إلى الصّفاتِ من قَبِيلِ المُتبَايِنِ.

سابعًا: أسماءُ اللهِ سبحانَه وصفاتُه حقيقةٌ، وليستْ من قَبِيلِ الَمجازِ، خلافًا للمبتدعةِ من الجهميَّةِ والمعتزلةِ وغيرِهِم، فعلى كلامِ هؤلاء لا يكونُ سبحانَه حيًّا حقيقةً، ولا مريدًا حقيقةً، ولا قادرًا، تعالى اللهُ عن قولِهِم، وهذا لازمٌ لكلِّ من ادّعى المجازَ في أسماءِ الرّبِّ وصفاتِه وأفعالِه لزومًا لا مَحِيدَ عنه، وكفى أصحابُ هذهِ المقالةِ كفرًا.

ثامنًا: أسماؤُه سبحانَه وتعالى تنقسمُ إلى قسمين: أَعْلاَمٌ، وأوصافٌ، والوصفيّةُ فيها لا تُنافي العلميَّةَ، بخلافِ أوصافِ العبادِ.

تاسعا: للاسمِ مِن أسمائِه ثلاثُ دلالاتٍ: دلالةٌ على الذّاتِ والاسمِ. بِالْمُطَابَقَةِ، وعلى أحدهِما بِالتَّضَمُّنِ، وعلى الصّفةِ الأخرى بالالتزامِ، مثالُه اسمُ السَّميعِ، يدلُّ على ذاتِ الرَّبِّ وسَمْعِهِ بالمطابقةِ، وعلى الذَّاتِ وحدَها والسّمعِ وحدَه بِالتَّضَمُّنِ، ويدلُّ على الحيِّ وصفةِ الحياةِ بالالتزامِ، وكذلك سائرُ أسمائهِ وصفاتهِ.

عاشرًا: إذا كانتِ الصّفةُ منقسمةً إلى كمالٍ ونقصٍ لم تدخلْ بِمطلقِها في أسمائه سبحانه، بل يُطلَقُ عليه منها كمالُها كالمريدِ والصَّانعِ، فإِنَّ هذه الألفاظَ لا تدخلُ في أسمائِه، فإنَّ الصّنعَ والإرادةَ مُنقسمةٌ إلى محمودٍ ومذمومٍ.

الحاديَ عشرَ: لا يلزمُ من الإِخبارِ عنه بالفعلِ مُقَيَّدًا أَنْ يُشتقَّ له منه اسمٌ مُطلقٌ، وقد غَلطَ من جعلَ من أسمائِه الَماكِرَ والفَاتِنَ والُمُضِلَّ، تَعالى اللهُ عن قَوْلِهم، ثمَّ إِنَّه على فَهْمِ هذا الغَاِلطِ أنْ يجعلَ من أسمائِه الجَائِيَ والغَضْبانَ ونحوَ ذلك من الأسماءِ الَّتي أُطلقَتْ عليه أفعالُها، وهذا لا يقولُه مسلمٌ ولا عاقلٌ، انتهى من كلامِ ابنِ القيِّمِ ملخصًا.

الثَّاني عشرَ: الأسماءُ والصّفاتُ الَّتي تستعملُ في حقِّ الخالقِ والمخلوقِ، كالعلمِ، والقدرةِ، والسّمعِ، والبصرِ، ونحوِ ذلكَ، هي حقيقةٌ في الخالقِ والمخلوقِ، خلافًا للجهميَّةِ.

قال ابنُ القيّمِ: وهذا قولُ عامَّةِ العقلاءِ وهو الصّوابُ.

الثَّالثَ عشرَ: أسماءُ اللهِ وصفاتُه من قبيلِ المُحْكمِ وليستْ من المتشابِه، فإنَّ معناها واضحٌ معروفٌ في لغةِ العربِ، وأمَّا الكُنْهُ والكَيْفِيَّةُ فهو ممَّا اسْتَأثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ.

الرَّابعَ عشرَ: لا يَلْزمُ من اتّحادِ الاسمينِ تماثلُ مُسَمَّاهُمَا، فإنَّ اللهَ سمَّى نفسَهُ بأسماءٍ تَسَمّى بها بعضُ خلقِه، وكذلك وصفَ نفسَه بصفاتٍ وُصِفَ بها بعضُ خلقِه، فلا يلزمُ من ذلك التَّشبيهُ، فقد وَصَفَ نَفْسَهُ بالسَّمعِ، والبصرِ، والعلمِ، والقدرةِ، وَوُصِفَ بذلك بعضُ خلقهِ، فليس السَّميعُ كالسَّميعِ، ولا البصيرُ كالبصيرِ، فصفاتُ كلِّ موصوفٍ تُناسِبُ ذاتَه وتليقُ به، ولا مُنَاسَبَةَ بين الخالقِ والمخلوقِ.

الخامسَ عشرَ: ذكرَ الشّيخُ تقيُّ الدّينِ في كتابِه (( التّدْمُرِيَّةِ ) أصلين عظيمين نافعين من هذا البابِ:

الأوَّلَ: القولُ في الصّفاتِ كالقولِ في الذَّاتِ، فكما أنَّنا نُثْبِتُ لله ذاتًا لا تُشْبِهُ الذّواتِ فيجبُ أنْ نثبتَ له صفاتٍ لا تشبهُ الصّفاتِ، فالصّفاتُ فَرْعُ الذَّاتِ يُحْذَى فيها حَذْوَها.

الثَّاني: القولُ في بعضِ الصّفاتِ كالقولِ في البعضِ الآخرِ إذ لا فرقَ، فمن أثبتَ الصّفاتِ ونفَى البعضَ الآخرَ كالأشاعرةِ، فقد تَنَاقَضَ، إذ الدّليلُ الَّذي ثبتت به الصّفاتُ الَّتي أقرُّوا بها يوجدُ مثلُه أو أقوى منه يثبِتُ البعضَ الآخرَ، إلى غيرِ ذلك من الأصولِ العظيمةِ الَّتي ذكرها الشَّيخُ تقيُّ الدّينِ، وابنُ القيّمِ، وغِيرُهما من المحقّقين في كتبِهِم، وقد أَفْرَدْنَا تلك الأصولَ في رسالةٍ مفردةٍ فارْجِعْ إليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت