الصفحة 114 من 233

وقَوْلُهُ: (( إِذا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلى الصَّلاةِ؛ فَلا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلا عَنْ يَمِيْنِهِ؛ فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَو تَحْتَ قَدَمِهِ ) ). متَّفقٌ عليهِ ). [1]

(1) قَولُهُ: (( إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلاَةِ ) )إلخ: هذا الحديثُ رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ، وغيرُهما عن جماعةٍ مِن الصَّحابَةِ، منهم أنسٌ وأبو هريرةَ وجابرُ بنُ عبدِ اللهِ وابنُ عمرَ وغيرُهُم.

قَولُهُ: (( يَبْصُقُ ) ): أي يَتفلُ والبصاقُ والبزاقُ لغتانِ، والبصاقُ لغةٌ قليلةٌ.

قَولُهُ: (( قِبَلَ ) )بكسرِ القافِ وفتحِ الباءِ، أي مواجِهَ، في هذا الحديثِ فوائِدُ، فيه دليلٌ على قُربِ اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- وإحاطتهِ كما يليقُ بجلالهِ وعظمتهِ كما قالَ سُبْحَانَهُ: (وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ) فإذا كانَ محيطًا بالعالمِ فهوَ فوقهُ بالذَّاتِ عالٍ عليهِ مِن كلِّ وجهٍ وبكلِّ معنًى، فالإحاطةُ تتضمَّنُ العلوَّ والسعةَ والعظمَةَ، وإحاطتُهُ -سُبْحَانَهُ- بخلقهِ لا تَنفيِ مباينتَهُ ولا علوَّهُ على مخلوقاتهِ بلْ هو -سُبْحَانَهُ- فوقَ خلقهِ محيطٌ بهمْ مُباينٌ لهم. انتهى مِن (الصَّواعقِ) باختصارٍ.

قالَ الشيخُ تقيُّ الدينِ رحمهُ اللهُ في (الحمويةِ) : وكذلكَ العبدُ إذا قامَ يُصلِّي فإنهُ يستقبلُ ربَّهُ وهوَ فوقهُ، فيدعوهُ مِن تلقائِه لا عن يمينِهِ ولا عن شمالِه، ويدعوهُ مِن العلوِّ لا مِن السفلِ، كما إذا قُدِّرَ أنَّه يخاطبُ القمرَ فإنَّه لا يَتوجَّهُ إليه إلاَّ بوجههِ مع كونهِ فوقَه، ا هـ. وقدْ نَزَع بهذا الحديثِ بعضُ المعتزلةِ إلى أنَّ اللهَ في كلِّ مكانٍ بذاتِه، وهذا جهْلٌ فاضحٌ، والأدلةُ المتواترةُ تردُّ ذلكَ، وتفيدُ علوَّ اللهِ واستواءَهُ على عرشِه، وأيضًا فإنَّ آخرَ الحديثِ ينقضُ قَولَهُمْ وهو قَولُهُ: (( أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ ) )وفي الحديثِ إشارةٌ للندبِ إلى استحضارِ قُرْبِه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- ومَعيَّتِهِ في حالِ العبادةِ، فإنَّ ذلكَ يوجبُ الخشيةَ والخوفَ مِن اللهِ، ويدعو إلى إتمامِ العبادةِ على الوجهِ اللائِقِ، وفيه دليلٌ على القيامِ في الصَّلاةِ وأنَّ العملَ اليسيرَ لا يُبطلُ الصلاةَ، وفيه دليلٌ على جوازِ البصاقِ وهو يُصلِّي، وفيه دليلٌ على النَّدبِ إلى إزالَةِ المستقذَرِ أو ما يتنزَّهُ عنه مِن المسجدِ، وفيها أنَّ النفخَ والتنحنحَ في الصَّلاة جائزان؛ لأنَّ النُّخَامةَ لا بُدَّ أن يقعَ معها شيءٌ مِن ذلك، وفيه النَّهيُ عنِ البُصَاقِ قبَِلَ وجهِهِ والنَّهيُ عن البصاقِ عن يمينِه تشريفًا لها، وفي روايةِ البخارِيِّ (( ولا عن يمينه فإنَّ عن يمينِه مَلَكَين ) )، وفيه جوازُ البصاقِ تحتَ قدمِه وعن يسارِه، والمرادُ إذا كان خارجَ المسجِد، فأمَّا في المسجِد فلا يجوزُ البصاقُ في أرضِ المسجدِ مطلقًا، لحديثِ (( الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا ) )فهذا مخصِّصٌ للحديثِ المتقدِّم، فإذَا بَدرَه البُصاقُ في المسجدِ بصقَ في ثوبِه ودلَّك بعضَها في بعضٍ كما دلَّت على ذلكَ الأحاديثُ المخصِّصَةُ لما تقدَّم، واستفيدَ مِن الحديثِ تحريمُ البُصاقِ إلى القِبلَة، سواءٌ كان في المسجدِ أو لاَ، وفي صَحيحَي ابنِ خُزيمَةَ وابنِ حبَّانَ من حديثِ حذيفةَ رضي اللهُ عنه مرفوعًا (( مَن تَفَلَ تجاهَ القبلَةِ جاءَ يومَ القيامةِ وتفلُه بينَ عينيِه ) )، ولأبي داودَ وابنِ حبَّانَ مِن حديثِ السَّائبِ بن خلاَّدٍ أنَّ رجلًا أمَّ قومًا فبصَقَ في القِبْلةِ فلما فرغَ قال رسولُ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( لاَ يُصَلِّي لَكُمْ ) )الحديثَ، وفيه أَنَّكَ قد آذيتَ اللهَ ورسولَه، وفي هذه الآياتِ دليلٌ على أنَّ النُّخَامةَ والبُصَاقَ طَاهرانِ، ودليلٌ على صيانةِ المساجدِ وتَعظيمِها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت