( وقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاواتِ السَّبْعِ [ وَالأَرْضِ ] وَرَبَّ العَرْشِ العَظيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الحَبِّ والنَّوَى، مُنْزِلَ التَّوْراةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآنَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ [ نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ ] كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِني مِنَ الفَقْرِ ) ). [روايةُ] مُسْلِمٍ ). [1]
(1) قَولُهُ: (( اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ ) )إلخ: هذا الحديثُ أخرجَه مسلمٌ مِن حديثِ سهيلٍ قال: كان أبو صالحٍ يأمُرُنَا إذا أرادَ أحدُنَا أنْ ينامَ أن يضْطَجِعَ على شِقِّه الأيمنِ ثم يقولُ: (( اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ ) )الحديثَ، قال: وكان يَروي ذلك عن أبي هريرةَ وأخرجَه أيضًا أهلُ السُّنَنِ.
قَولُهُ: (( اللَّهُمَّ ) ): أصلُه يا اللهُ، فالميمُ عِوَضٌ عن ياءٍ، ولذلكَ لا يُجمعُ بينهُمَا، وشذَّ قولُ بعضِ العربِ
إنِّي إذَا ما حَدَثٌ ألَمَّا أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يا اللَّهمَّا
قال الحسنُ البصريُّ: اللهمَّ مجمَعُ الدُّعاءِ، وقال النَّضرُ بن الشُّمَيْلٍ: مَن قال اللهمَّ فقد دعا اللهَ بجميعِ أسمائِه.
قَولُهُ: (( رَبَّ ) ): تأتي لفظةُ ربَّ بمعنى المُربِّي والمالِكِ والخالِقِ.
وقَولُهُ: (( رَبَّ السَّماواتِ السَّبْعِ ) ): أي هو خالِقُ العالَمِ العلويِّ.
قَولُهُ: (( وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) ): أي الكبيِرُ، في الحديثِ: (( مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرَضُونَ السَّبْعُ وَمَا بَيْنَهُنَّ وَمَا فِيهِنَّ فِي الْكُرْسِيِّ إِلاَّ كَحَلَقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضٍ فَلاَةٍ وَأَنَّ الْكُرْسِيَّ بِمَا فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرْشِ كَتِلْكَ الْحَلَقَةِ فِي تِلْكَ الْفَلاَةِ ) )وقال الضحَّاكُ عن ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنهما: إنما سُمِّي عرشًا لارتفاعِه. وعن ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنه: العرشُ لا يقدرُ قدْرَه إلاَّ اللهُ، فيه إثباتُ عظمَةِ العرشِ، وأنَّه أعظمُ المخلوقاتِ، وأنَّه مخلوقٌ، ومنه يُستفادُ عظمةُ الباري بعظمَةِ مخلوقَاتِه، وفيه الرَّدُّ على مَن زعمَ أنَّ العرشَ ليسَ بمخلوقٍ، أو أنَّ عرشَهُ مُلكُه، أو قُدرَتُه، وقدْ تقدَّم الكلامُ على هذا.
قَولُهُ: (( رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ ) ): فيه إثباتُ عمومِ ربوبيَّتِه ومُلكِه، وأنَّه خالقُ كلِّ شيءٍ، وأنَّه المنعِمُ الحقيقيُّ على سائِرِ الخلقِ، وفيها الرَّدُّ على القَدَرِيَّةِ الذين يزعُمون أن العبدَ يخلقُ فِعلَ نفسِه، فإنَّ ربوبيَّته العامَّةَ وقدرتَه التَّامَّةَ تشملُ أفعالَ خلقِه، فمَن زعَمَ أنَّ العبدَ يخلقُ فعلَ نفسِه فقدْ أثبتَ خالِقًا مع اللهِ، ولم يُدخلْ أفعالَ خلقهِ في عمومِ قُدرتهِ وربوبيَّتِهِ.
قَولُهُ: (( فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى ) ): أي شاقُّ، والفلقُ الشَّقُّ، أي الَّذي يشقُّ حبَّ الطعامِ ونوى التمرِ ونحوَهما للإنباتِ، والنَّوى عجمُ التمرِ ونحوِه.
قَولُهُ: (( مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ) ): أي مُنزلُ التوراةِ على موسى، والإنجيلِ على عيسى، والقرآنِ على محمَّدٍ، فيهِ دليلٌ على أنَّ هذه الكتبَ مِن كلامِ اللهِ، وأنها منزَّلةٌ مِن عندِ اللهِ، وأنها غيرُ مخلوقَةٍ، خلافًا لأهلِ البدعِ الذينَ يزعمونَ أنَّ كلامَ اللهِ مخلوقٌ، أو أنها كلامُ غيرِه، وفيه دليلٌ على علوِّ اللهِ سُبْحَانَهُ؛ لأنَّ الإنزالَ والنزولَ والتنزيلَ المعقولَ عندَ العربِ لا يكونُ إلاَّ مِن أعلى إلى أسفَلَ.
قَولُهُ: (( أَعُوذُ ) ): أي ألتجئُ وأعتصمُ وألتصقُ بجنابِ اللهِ مِن شرِّ كلِّ ذي شرٍّ، والعياذُ يكونُ لدفعِ الشَّرِّ، واللِّياذُ يكونُ لطلبِ الخيرِ كما قال المُتنبِّي:
يا مَن ألوذُ بهِ فيما أؤمله ومَن أعوذُ بهِ ممَّا أحاذرُهُ
لا يجبرُ الناسَ عظمًا أنتَ كاسرُه ولا يهيضونَ عظمًا أنتَ جابرُه
قَولُهُ: (( دَابَّةٍ ) ): الدابَّةُ لغَةً: كل ما دبَّ على وجهِ الأرضِ، وأُطلقَ عرفًا على ذواتِ الأربَعِ.
قَولُهُ: (( بِنَاصِيَتِهَا ) ): أي تحتَ قهرهِ وسلطانهِ سُبْحَانَهُ، أي أعوذُ بكَ مِن شرِّ كلِّ شيءٍ مِن المخلوقاتِ؛ لأَنها كلَّها في سُلطانهِ وهوَ آخذٌ بنواصيها متصرِّفٌ فيها يصرِّفُها كيفَ يشاءُ، والنَّاصيةُ مقدَّمُ الرَّأسِ.
قَولُهُ: (( أَنْتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ ) ): هذا تفسيرُ رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فلا تفسيرَ أكمَلُ مِن تفسيرِه، ففيه دليلٌ على أوَّلِيَّتِه -سُبْحَانَهُ- وأنَّه قَبْلَ كلِّ شيءٍ، ففيه الردُّ على مَن زَعَم قِدَمَ هذه المخلوقاتِ، وفيه دليلٌ على أبديَّتِه -سُبْحَانَهُ- وبقائِه بعدَ كلِّ شيءٍ، وفيه دليلٌ على عُلوِّه -سُبْحَانَهُ- على خلقِه وفوقيَّتِه واستوائِه على عرشِه، فإنَّ الظَّاهِرَ هو العالي المرتفعُ.
قَولُهُ: (( وَأَنْتَ الْبَاطِنُ ) ): فيه دليلٌ على قُربِه -سُبْحَانَهُ- وإحاطتِه وأنَّه أقربُ إلى كلِّ شيءٍ مِن نفسِه، وقُربُه -سُبْحَانَهُ- لا يُنافي ما ذُكِرَ مِن علوِّه وفوقِيَّتِه، فإنه ليسَ كمثلهِ شيءٌ، وليسَ قربهُ كقربِ الأجسامِ بعضِها منْ بعضٍ - تعالى اللهُ أنْ يُشبهَه شيءٌ منْ خلقهِ - فهذهِ الأسماءُ الأربعةُ متقابلةٌ، اسمانِ منها لأزليَّةِ الربِّ وأبديَّتهِ، واسمانِ لعلوهِ وقربِهِ.
وقَولُهُ: (( اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ ) ): هذا فعلُ دعاءٍ، أي أدِّ، قَولُهُ: (( الدَّيْنَ ) ): أي واحدُ الدُّيونِ، والمرادُ بهِ حقوقُ اللهِ وحقوقُ عبادهِ كلُّها من جميعِ الأنواعِ.
قَولُهُ: (( اغْنِني ) ): الغِنى بالكسرِ والقصرِ هو عدمُ الحاجةِ، وبفتحِ الغينِ النفعُ وبالكسرِ مع المدِّ الأصواتُ المُطربةُ، كما قال بعضُهم:
غناءُ الصوتِ ممدودٌ بما يستجلبُ الطربَ وكلُّ غِنًى فمقصورٌ كذا نطقتْ به العرَبُ
والفقرَ بالفتحِ ضدُّ الغِنى، وهو في اصطلاحِ الفقهاءِ: من وجدَ أقلَّ من نصفِ كفايتهِ أو لم يجدْ شيئًا أصلًا، وأمَّا المسكينُ فهو: منْ وجدَ نصفَ كفايتهِ فأكثَرَ، فالفقيرُ أشدُّ حاجةً من المسكينِ، لكنْ إذا أُطلقَ الفقيرُ دخلَ فيه المسكينُ وبالعكسِ، وإذا ذُكرا معًا فُسِّرَ كلُّ واحدٍ منهما بتفسيرٍ، كالإسلامِ والإيمانِ إذا اجتمعا افترَقا، وإذا افترقا اجتمعَا، وفي الحديثِ من الفوائدِ غيرِ ما تقدَّمَ: دعاءُ اللهِ بأسمائهِ وصفاتِه، وهذا مما تكرَّرَ في الأحاديثِ، وهذا هو التوسلُ الشرعيُّ والمتوسلُ بهذه الوسيلةِ جديرٌ بالإجابَةِ.