وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم للِجَارِيَةِ: (( أَيْنَ اللهُ ) ). قالَتْ: في السَّمَاءِ. قالَ: (( مَنْ أَنا؟. قالَتْ: أَنْتَ رَسولُ اللهِ. قالَ: (( أَعْتِقْهَا فَإِنَّها مُؤِمِنَةٌ ) ). رواهُ مسلمٌ ). [1]
(1) قَولُهُ للجارية (( أَيْنَ اللهُ ) ): إلخ هذا الحديثُ رواه مسلمٌ مِن حديثِ معاويةَ بنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ، وأخرجَه أبو داودَ، والنَّسَائِيُّ، وروى سببَه بألفاظٍ متعدِّدةٍ، وفي بعضِ ألفاظِه عن الحكمِ بنِ معاوِيَةَ السُّلَمِيِّ قال: اطَّلَعْتُ على غُنيمةٍ ترعَاها جاريةٌ لي قبلَ أُحُدٍ والجوَّانِيَّةِ فوجدتُ الذِّئبَ قد أصابَ منها شاةً وأنا مِن بني آدمَ آسَفُ كما يأسفونَ فصككتُها صكَّةً ثم انصرفتُ إلى رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فأخبرتُه فعظَّم ذلكَ علَيَّ، قال: قلتُ يا رسولَ اللهِ: أفَلا أَعْتِقُهَا؟ قال: (( بَلَى جِئْنِي بِهَا ) )قال: فجئتُ بها رسولَ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فقالَ لها: (( أَيْنَ اللهُ؟ ) )قالت: في السماءِ، قال: (( مَنْ أَنَا؟ ) )قالت: أنتَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، قال: (( اعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ) ).
قال الحافظُ الذَّهَبيُّ في كتابِ (العُلُوِّ) : هذا حديثٌ صحيحٌ رواهُ جماعةٌ مِن الثِّقَاتِ، قالَ: وأخْرَجَه مسلمٌ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وغيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ في تصانِيفهمْ، يَرُوونه كما جاءَ ولا يَتعرَّضونَ له بتأويلٍ ولا تحريفٍ، ثم بيَّنَ الذهبيُّ طُرَقهُ واختلافَ ألفاظِهِ.
هذا الحديثُ فيه فوائدُ:
أولًا: فيه جوازُ السُّؤالِ عن اللهِ بأينَ خلافًا للمبتدِعَةِ.
ثانيًا: فيه جوازُ الإشارةِ إلى العلوِّ، كما جاءَ صريحًا في حديثِ أبي هريرةَ الَّذي أخرجَه أبو داودَ في بابِ الأيمانِ والنُّذورِ فأشارتْ بأصبُعِهَا إلى السَّماءِ.
ثالثًا: فيه إثباتُ العلوِّ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالى، فإنَّ معنى قَولِهِ: (( فِي السَّمَاءِ ) ): أي على السَّماءِ، يعني على العرشِ، وقد تقدَّم الكلامُ.
رابعًا: فيه الدَّليلُ على أنَّ مَن شَهِدَ هذه الشهادةَ أنَّه مؤمنٌ.
خامسًا: فيه دليلٌ على أنَّه يُشترطُ في صحَّةِ العتقِ الإيمانُ.
سادسًا: فيه دليلٌ على أنَّ مَن شَهِدَ هذه الشَّهادةَ يُكتفَى في ذلكَ بإيمانِه ويُقبلُ منه ذلكَ، ولو لم يُذْكَرْ دليلٌ، فإنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قَبِلَ منها مجرَّدَ الشَّهادةِ بعلوِّ اللهِ ورسالَةِ رسولِه، خلافًا للمتكلِّمينَ الَّذين يقولونَ: لا بُدَّ مِن النَّظرِ والقصدِ إلى النَّظرِ أو الشَّكِّ، فإنَّ هذه أقوالٌ باطلةٌ، فإنَّ معرِفَة اللهِ -سُبْحَانَهُ- فِطريَّةٌ فَطَرَ اللهُ عليهَا عِبَادَه، كما في الحديثِ قال: (( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ) ). الحديثَ.
سابعًا: فيه دليلٌ عَلى أنَّ الاعترافَ بعلوِّ اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- وفوقيَّتِه مفطورٌ عليهِ الخَلْقُ مغروزٌ في نفوسِهمْ، وقدْ جرتْ عادَةُ المسلمينَ عامَّتِهم وخاصَّتِهم بأنْ يَدعوا ربَّهم عندَ الابتهالِ والرَّغبَةِ إليه، فيرفَعوا أيديَهُم إلى السَّماءِ وذلك لاستفاضَةِ العِلْمِ عندَهم بأنَّ ربَّهُم المدعوُّ في السَّماءِ، وقدْ تطابقَ أدلَّةُ العَقْلِ والنَّقلِ على إثباتِه.