الصفحة 111 من 233

وَقَوْلُهُ: صلى الله عليه وسلم (( وَالعَرْشُ فَوْقَ [ المَاءِ ] ، واللهُ فَوْقَ العَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ) ). [حديثٌ حسنٌ، رواهُ أَبو دَاودَ وغَيْرُهُ ] . [1]

(1) قَولُهُ: (( وَالْعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ ) ): إلخ: هذا الحديثُ رواهُ أبو داودَ وغيرُه مِن حديثِ العبَّاسِ بنِ عبدِ المطَّلِبِ، ولفظُ أبي داودَ عن العبَّاسِ بنِ عبدِ المطَّلِبِ قال: كنتُ في البطحاءِ في عصابَةٍ فيهم رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فمرَّت بهم سحابةٌ فنظرَ إليها فقال: (( مَا تُسَمُّونَ هَذِهِ؟ ) )قالوا: السَّحابَ، قال: (( وَالْمُزْنَ ) )، وقالوا: والمزنَ، قال: (( وَالْعَنَانَ ) )، قالوا: والعنانَ. قال أبو داودَ: لم أتقنْ جيِّدًا، قال: (( هَلْ تَدْرُون بُعْدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ؟ ) )قالوا لا ندري، قال: (( إِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا إِمَّا وَاحِدَةٌ أَوِ اثْنَتَانِ أَوْ ثَلاَثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً ثُمَّ السَّمَاءُ فَوْقَهَا كَذَلِكَ، حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ثُمَّ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلاَهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ بَيْنَ أَظْلاَفِهِمْ وَرُكَبِهِمْ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِمُ الْعَرْشُ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلاَهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ ثُمَّ اللهُ فَوْقَ ذَلِكَ ) ). ورواه أيضًا ابنُ ماجةَ والتِّرمذِيُّ وحسَّنَه، ورواهُ الحافِظُ ضياءُ الدِّينِ المقدسيُّ في المختارةِ.

قَولُهُ (( وَالْعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ ) ): تقدَّم الكلامُ على العرشِ، أفادَ هذا الحديثُ عدَّةَ فوائدَ.

الأوَّلَ: إثباتُ العرشِ، وقدْ تكاثَرتِ الأدلَّةُ مِنَ الكتابِ والسُّنَّةِ على إثباتِه، وفيها الرَّدُّ على مَن نَفَى العَرْشَ وزعَمَ أنَّ معنى عرْشِهِ مُلْكُه وقُدرَتُه، ولا شكَّ في بُطلانِ ذلك، وفيه دليلٌ على أنَّ الْعَرْشَ فوقَ المخلوقَاتِ، وأنَّه ليسَ فوقَهُ مِن المخلوقاتِ شيءٌ، وفيه دليلٌ على أنَّ اللهَ في السَّمَاءِ مستوٍ على العرشِ، فلو كانَ في كلِّ مكانٍ لم يكنْ لهذا التَّخْصِيصِ معنًى، ولا فيه فائدةٌ، وفيه تفسيرُ الاستواءِ بالعلوِّ، كما فسَّره الصَّحابةُ والتابعونَ والأئمَّةُ، خلافًا للمعطِّلَةِ مِن الجهميَّةِ والمعتزِلَةِ ومَنْ أخَذَ عنهم مِن الأشَاعِرَةِ وغيرِهم ممَّن ألحْدَ في أسماءِ اللهِ وصفاتِه، وصرفَها عن المعنى التي وُضِعتْ له، ودلَّت عليه مِن إثباتِ صفاتِ اللهِ التي دلَّت على كلامِه جلَّ وعلا، وفيها إثباتُ فوقيَّتِه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- وعلوِّه على خلْقِه، وهذا الحديثُ صريحٌ في فوقيَّةِ الذَّاتِ، ففيه الردُّ على مَن زعم أن الفوقيَّةَ فوقيَّةُ رتبةٍ وشرفٍ، فإنَّ حقيقةَ الفوقيَّةِ علوُّ ذاتِ الشَّيءِ على غيرِه، وقد تقدَّم ذِكْرُ أنواعِ الفوقيَّةِ، فله -سُبْحَانَهُ- الفوقيَّةُ التَّامَّةُ والعلوُّ الكامِلُ المطلَقُ، هذا مذهبُ أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، وبدَّعُوا وضلَّلوا مَن خالَفَهُ مِن الجهميَّةِ والمعتَزِلَةِ، وفي هذا الحديثِ إثباتُ علمِه المحيطِ بكلِّ معلومٍ، فلا تَخفى عليه خافيةٌ، وفيه الجمْعُ بينَ الإيمانِ بعلوِّه على خَلْقِه واستوائِه على عرْشِه وبين الإيمانِ بإحاطَةِ عِلْمِه بالموجوداتِ كلِّها، وقد جمعَ بين الأمرين في عدَّةِ مواضِعَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت