الصفحة 110 من 233

وَقَوْلُهُ: (( أَلاَ تَأْمَنُوني وَأَنَا أَمِيْنُ مَنْ فِي السَّمَاءِ ) ). [ حديثٌ صحيحٌ )) .[1]

(1) قَولُهُ: (( أَلاَ تَأْمَنُونِي ) ): إلخ هذا الحديثُ أخرجَه في الصَّحِيحينِ عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ قال: بعثَ عَلِيٌّ مِن اليمنِ بِذُهيبةٍ في أديٍم مقروظٍ لم تحصلْ مِن ترابِها، فقسَّمَها رسولُ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- بين أربعةٍ: زيدِ الخيرِ، والأقرعِ بنِ حابسٍ، وعُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ، وعلقمةَ بنِ علاثةَ أو عامِرِ بنِ الطُّفَيلِ (شكَّ عِمَارةُ) فوجَدَ مِن ذلكَ بعض الصَّحابةِ مِن الأنْصَارِ وغيرِهم، فقال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً ) )أخرجَه البخاريُّ ومُسْلِمٌ.

قَولُهُ: (( أَلاَ تَأْمَنُونِي ) ): ألاَ: أداةُ استفتاحٍ.

قَولُهُ: (( وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ ) ): أي أمينُ اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- الَّذي في السَّمَاءِ على تبليغِ شرعِه ودينِه، قيلَ إنَّ القائِلَ للنَّبِيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- هو ذو الخويصرةِ اليمَنِيُّ، فاستأذنَه بعضُ الصَّحابة في قتلِه، فقال النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( دَعْهُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا، - أي مِن جنسِه - قَوْمٌ تُحَقِّرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَقِرَاءَتَكُمْ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ ) )الحديثَ، فأوَّلُ بدعَةٍ وقعت في الإسلامِ فتنةُ الخوارِجِ، وكانَ مبدؤُهم بسببِ الدُّنْيَا حين قَسَّم النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- غنائمَ حُنينٍ، فكأنَّهم رأوا في عقَولِهِم الفاسدةِ أنَّه لم يعْدِلْ في القِسْمَةِ، ففاجَئوه بهذهِ المقالَةِ، ثمَّ كانَ ظهورُهُمْ فِي أيَّامِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ فقتلَهُم في النَّهْرَوانِ، ثمَّ تشعَّبَتْ منهمْ شعوبٌ وآراءٌ وأهواءٌ ومقالاتٌ ونِحَلٌ كثيرةٌ منتشرةٌ، ثم حدَثتْ بعدَهم بدعةُ القَدَرِيَّةِ، ثم المعتزلةِ، ثم الجهميَّةِ، وغيرِ ذلكَ مِن البِدَعِ التي أخبرَ عنها الصَّادقُ المصدوقُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- في قَولِهِ: (( وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأمَّةُ عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلاَ وَاحِدَةً ) )قَالُوا: وَمَا هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (( مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي ) )أخرجَهُ الحاكمُ في مستدرَكِهِ، أفادَ هذا الحديثُ فوائِدَ:

أوَّلًا: ما كان عليه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- مِنَ الصَّبرِ والتَّحَمُّلِ لأذى المُنافقين.

ثانيًا: تركُ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- هذا المنافِقَ وغيرَه استبقاءً لانقيادِهم وتأليفًا لقلوبِهم، فإنَّه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- لمَّا استأذنَه بعضُ الصَّحابةِ في قتلِ بعضِ المنافقينَ قال: (( مَعَاذَ اللهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ) ).

ثالثًا: فيهِ دليلٌ لِمَنْ لم يُكَفِّرُ الخوارِجَ، قال النَّوويُّ: ومذهبُ الشَّافِعيِّ وجماهيرِ أصحابِه وجماهيرِ العلماءِ أنَّ الخوارِجَ لا يُكَفَّرون، وكذلِكَ الْقَدَرِيَّةُ والمعتزِلَةُ وسائِرِ أَهْلِ الأهْوَاءِ. انتهى.

رابعًا: فيه دليلٌ على علوِّ اللهِ على خَلْقِه، فقَولُهُ: (( فِي السَّمَاءِ ) )فُسِّرت"في"بمعنى على، أو أنَّ المرادَ بالسَّماءِ العلوُّ، ولا تنافِيَ بين التفسيرين، وقد تقدَّمَ، فليس معنى قَولِهِ (( فِي السَّمَاءِ ) )أنَّ السَّمَاءَ تُظِلُّه أو تُقلُّه أو تحيطُ به أو تَحويهِ، فإنَّ هذا ما لا تُوجِبُه اللُّغةُ، وخلافُ ما فَطَر اللهُ عليهِ الخَلْقَ.

قالَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه اللهُ في (الرِّسالَةِ الحمويَّةِ) : ثم مَن توهَّم أنَّ كونَ اللهِ في السَّمَاءِ تحيطُ بِه وتحويهِ فهوَ كاذبٌ إنْ نقلَه عنْ غيرِه وضالٌّ إنِ اعتقَدَه في ربِّه، ومَا سمعنَا أحدًا يفهمُه مِن اللَّفْظِ، ولا رأيْنا أحدًا نَقَلَه عَن أحدٍ، ولو سُئِلَ سائرُ المسلمينَ هل يَفهمونَ مِن قولِ اللهِ ورسولِه أنَّ اللهَ في السَّمَاءِ أنَّ السَّمَاءَ تحويِه لبادَر كلُّ أحدٍ أنْ يقولَ هذا شيءٌ لعلَّه لم يخطُرْ ببالِنَا، وإذا كانَ الأمرُ هكذا فمِنَ التَّكلُّفِ أنْ يُجعل ظاهرُ اللَّفْظِ شيئا مُحَالًا لا يفهمُهُ النَّاسُ منه ثم يريدُ أنْ يتأوَّلَه، بلْ عندَ المسلمينَ أنَّ اللهَ في السَّمَاءِ وهو على العرْشِ شيءٌ واحدٌ، إذ السَّماءُ إنَّما يُراد بِه العلوُّ، فالمعنى أن اللهَ في العلوِّ لا في السُّفْلِ، وقد عَلِمَ المسلمونَ أنَّ كرسيَّه -سُبْحَانَهُ- وسِعَ السَّمَاواتِ والأرضَ، وأنَّ الكرسيَّ في العرشِ كحَلَقَةٍ ملقاةٍ في أرضٍ فلاةٍ، وأنَّ العرشَ خَلْقٌ مِن مخلوق اللهِ لا نسبةَ له إلى قُدْرَةِ اللهِ وعظمَتِه، فكيفَ يتوهَّمُ متوهِّمٌ بعدَ ذلِكَ أنَّ خلقًا يحصرُه أو يَحويِه، وقال اللهُ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- عن فرعونَ: (لأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) ، وقال: (فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ) بمعنى على، ونحوِ ذلكَ، وهو كلامٌ عربيٌّ حقيقةً لا مجازًا. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت