الصفحة 109 من 233

( وقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم في رُقْيَةِ المريضِ: (( رَبَّنا اللهَ الَّذي في السَّماءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ في السَّماءِ وَالأَرْضِ، كَمَا رَحْمَتُكَ في السَّماءِ اجْعَلْ رَحْمَتَكَ في الأرْضِ، اغْفِرْ لَنا حُوبَنَا وخَطَايَانا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ، وشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلى هذا الوَجِعِ؛ [ فَيَبْرَأَ ] [ حديث حسن ] ، رواه أبو داود [ وغيره.[1]

(1) قَولُهُ: (( فِي رُقْيَةِ الْمَرِيضِ ) ): إلخ. هذا الحديثُ، رواه أبو داودَ مِن حديثِ أبي الدَّرْداءِ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يقولُ: (( مَنِ اشْتَكَى مِنْكُمْ شَيْئًا فَلْيَقُلْ رَبُّنَا اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ ) )الحديثَ، وأخرجَه النَّسائيُّ أيضًا مِن حديثِ أبي الدَّرْداءِ أنَّه أتاهُ رجلٌ يذكُرُ أنَّ أبَاه احتبس بولُه وأصابَتْه حصاةٌ فعلَّمه هذا فرقَاهُ بِها فَبَرَأ، هذا لفظُ النَّسائيِّ وقد رواهُ البيهقيُّ والحاكمُ والطبرانيُّ.

قَولُهُ: (( فِي رُقْيَةِ الْمَرِيضِ ) ): أَي القراءةُ على المريضِ مَن رقاهُ برقيةٍ إذا قَرأ عليهِ، ففيهِ دليلٌ على إِباحَةِ الرُّقْيَةِ لهذا الحديثِ وغيرِه، كمَا روى مسلمٌ وأبو داودَ مِن حديثِ عوفِ بنِ مالكٍ أنَّ رسولَ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( لاَ بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكًا ) )، وقَولُهُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- وقد سُئِلَ عن الرُّقَى: (( مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعَهُ ) )رواه مسلمٌ وأحمدُ وابنُ ماجةَ مِن حديثِ جابرٍ، وأمَّا ما رواه مسلمٌ في صحيحهِ من حديثِ جابرٍ أنَّ رسولَ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- نَهَى عنِ الرُّقَى، فالمرادُ بها الرُّقَى الَّتي تتضمَّنُ الشركَ وتعظيمَ غيرِ اللهِ، كغالبِ رُقَى الجاهليةِ، فلا يعارِضُ ما تقدَّم مِن الأحاديثِ في إباحَةِ الرُّقى، وقال السُّيوطيُّ: قد أجمعَ العلماءُ على جوازِ الرُّقَى عند اجتماعِ ثلاثةِ شروطٍ:

(1) ... أنْ تكونَ بكلامِ اللهِ أوْ بأسمائِهِ وصفاتِه.

(2) ... أنْ تكونَ باللِّسَانِ العربيِّ وما يُعْرَف معناهُ.

(3) ... أنْ يعتقدَ أنَّ الرُّقْيَةَ لا تؤثِّرُ بذاتها بل بتقديرِ اللهِ. انتهى.

قَولُهُ: (( رَبُّنَا اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ ) ): فيه إثباتُ العلوِّ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- على الخَلْقِ، وفسَّرَ قَولَهُ سُبْحَانَهُ: (( فِي السَّمَاءِ ) )بتفسيرينِ:

الأوَّلِ: أنَّ في بمعنى على، فقَولُهُ في السَّمَاءِ، أي على السَّمَاءِ، كقَولِهِ -سُبْحَانَهُ- وتعالى: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) ، وقَولُهُ: (فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ) أي عليها.

الثَّاني: أنَّ المرادَ بالسَّمَاءِ: العلوُّ، فقَولُهُ: (( في السَّمَاءِ ) )، أي العلوُّ، والسَّمَاءُ كلُّ ما علاَكَ وأظلَّك، فهو -سُبْحَانَهُ- في جِهَةِ العلوِّ.

قَولُهُ: (( تَقَدَّسَ اسْمُكَ ) ): أي تنَزَّه مِن التَّقْدِيسِ، وهو التَّنزيهُ عما لا يليقُ، فأسماؤه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- مُنَزَّهَةٌ عنِ العيوبِ والنقائِصِ، وعنْ تأويلِ المحرِّفين وتشبيهِ الممثِّلين.

قَولُهُ: (( أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ ) ): أي أمْرُك الكونيُّ الْقَدَرِيُّ، وأمرُكَ الدينيُّ الشِّرعِيُّ، فأمرُه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- ينقسمُ إلى قِسمينِ:

الأوَّلِ: أمرٌ كونيٌّ قَدَرِيٌّ كقَولِهِ سُبْحَانَهُ: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) ، وقَولُهُ سُبْحَانَهُ: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) الآيةَ‍.

الثَّاني: الأمرُ الدِّينيُّ الشَّرعيُّ كقَولِهِ سُبْحَانَهُ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ) الآيةَ، فأمرُه -سُبْحَانَهُ- الكونيُّ نافِذٌ لا رادَّ له، في السَّمَاءِ والأرضِ فلا رادَّ لأمرِه ولا معقِّبَ لحُكْمِه.

قَولُهُ: (( كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ ) ): فيه إثباتُ صفةِ الرَّحمةِ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- كما يليقُ بجلالِه.

قَولُهُ: (( أَنْزِلْ رَحْمَةً مِن رَحْمَتِكَ ) ): فيه إثباتُ العلوِّ، وهذه الرَّحْمَةُ مخلوقَةٌ، فإنَّ الرَّحْمَةَ المضافةَ إليهِ تنقسِمُ إلى قسمين: الأوَّلِ: رحمةٌ تضافُ إليه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى الموصوفِ، كقَولِهِ: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) ، وقَولِهُ في الحديثِ: (( بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ ) ). الثَّاني: رحمةٌ تضافُ إليهِ -سُبْحَانَهُ- مِن بابِ إضافَةِ المخلوقِ إلى خَالِقِه، كَمَا قال في هذَا الحديثِ: (( أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ ) )وكما في حديثِ: (( خَلَقَ اللهُ مِائَةَ رَحْمَةٍ ) )وقَولُهُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( قَالَ -سُبْحَانَهُ- لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ ) )وقد تقدَّمَ الكلامُ على هذا البحثِ في الكلامِ على الآياتِ.

قَولُهُ: (( اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا ) ): هذا فعلُ دعاءٍ مِن الغَفْرِ، وهو السَّتْرُ ووقايةُ الأثَرِ، ومنه المغْفَرُ والجمعُ الغَفِيرُ.

قَولُهُ: (( حُوبَنَا ) ): الحُوبُ هو الإثمُ، ومنه قَولُهُ: (إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ) .

قَولُهُ: (( وخطايانَا ) ): الخطايَا هي الذُّنوبُ والآثَامُ.

قَولُهُ: (( أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ ) ): جمْعُ طيِّبٍ، وخصَّهُمْ بالذِّكْرِ لما اتَّصفُوا بهِ مِن الطَّيبِ، ومعلومٌ أنَّه ربُّ كلِّ شيءٍ، ما يتَّصِفُ بالطِّيبِ والخُبْثِ وغيرِها، ولكنْ هذه ربوبيةٌ خاصَّةٌ بأنبيائِهِ وعبادِه الصَّالحينَ، لها اختصاصٌ على الرُّبُوبيَّةِ العامَّةِ للخلْقِ، فإنَّ مَن أعطاهُ اللهُ مِنَ الكَمَالِ أكثرَ مما أعطى غيرَه، فقد رَبَّهُ وربَّاه رُبُوبيَّةً وتربيةً أكملَ مِن غيرِه، فالرُّبوبيَّةُ تنقسم إلى قسمينِ:

الأوَّلِ: ربوبيةٌ عامَّةٌ، وهي لسائِرِ الخَلْقِ.

الثَّانِي: ربوبيةٌ خاصَّةٌ، وهي ربوبيةٌ لأنبيائِه وعبادِه الصَّالِحِين. وفي هذا الحديثِ إشارةٌ إلى التَّوَسُّلِ بربوبيَّتِه -سُبْحَانَهُ- للطَّيِّبينَ، وهذا التَّوسُّلُ الشرعيُّ، وهو التَّوسُّلُ بربوبيَّتِهِ -سُبْحَانَهُ- وأسمائِه وصفاتِه، وهذا التَّوسُّلُ مِن أعظمِ الوسائلِ للحصولِ على المقصودِ، ولاَ يكادُ يردُّ دعاءَ مَن توسَّلَ بها، فلهذا دعا اللهَ بعدَها بالشِّفاءِ الَّذي هو شفاءُ اللهِ الَّذي لا يدعُ مرضًا إلاَ أزَالَه، وفيه أنَّهُ ينبغي أن يأتيَ مِن صفاتِه في كلِّ مقامٍ بما يناسِبُه، كلفظِ الغفورِ عندَ طلبِ المغفرةِ، والرَّازِقِ عندَ طلَبِ الرِّزْقِ ونحوِ ذَلِكَ، والقرآنُ والأدعيةُ النبويَّةُ مملوءَةٌ بذلكَ.

قَولُهُ: (( عَلَى هَذَا الْوَجَعِ ) ): بكسرِ الجيمِ أي المصابُ بالمرضِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت