تَنْهَرْ فَلا تَنْهَرْ السَّائِلَ يُنْهَرُ لا يُنْهَرُ فَسَائِلُ دَمْعِيَ
بناء للمعلوم نهي الذي يطلب الحاجة ... بناء للمجهول نفي الدمع السائل على الخد
هذا التغير والاستبدال ساعد الشاعر على رسم الصورة الفنية التي من أجلها استخدم التناص، وساعدته التورية في رسم إطار تلك الصورة ، وأتم التناص في البيت الثاني ملامح الصورة ، حيث الأسلوب الإنشائي في النص القرآني { هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا } واستخدم الأسلوب الخبري في النص الشعري (بِحِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لا يُذْكَرُ) واستعاض الشاعر بقوله تعالى (لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) قوله (لا يذكر) مع اختلاف البنية الصرفية والنحوية ، ومهد لذلك في صدر البيت بقوله (وَإنْسَانُ عَيْنِي إلى كَمْ كَذَا) ليظهر حالته وترقبه.
وقال ابن نُباتة (56) :
وَلَمْ يَزَلْ تَنْويهُ تَنْوله ... حَتَى حَمَى وَجْهِي وَأَغْنِاني
قَالت لآمَالي يداهُ: انْفُذِي ... لا تَنْفُذي إِلا بشسُلْطَانِ
وهذا يتناص مع قوله تعالى { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ } (57) .
وتأثيرات جمال الدين بن نُباتة في التناص مع الأخذ ببعض التراكيب القرآنية وفي وصف بعض صور الآخرة وخاصة في مشهدي الجنة والنار في سياق شعري يبر فيه عن الذاتية أو الغيرية ومن ذلك قوله (58) :
أَوَجْهُكَ أَمْ جَنَّةٌ عَالِيهْ ... قُطُوفُكَ لِعُشَّاقِهَا دَانٍيَهْ
وَمَبْسَمك العَذْبُ أَمْ بَارِقٌ ... تَحَثُّ سَحَائَب أَجْفَانِيَهْ
بِرَوحِيَ مَالِكةً لِلْحَشَا ... دُمُوعي مِنْ حَلْقِهَا جَارِيَهْ
وَوَالية كَدَّرتْ بالجَفَا ... حَيَاتي فَيَا لَيْتَهَا القَاضِيهْ
تُعَذِّبُنِي وَهي لي جَنَّةٌ ... وَتُخْْرصُني واسْمُهَا آسِيَهْ