وتقف الذات موقفا منعدما ، ويظهر ذلك من خلال المقطعين السابقين ، فالأسى رمز للحزن والألم والتعب والسهر ، وتحركت الألفاظ بصورة متوازنة لتسجل الموقف الشعوري الذي أراده الشاعر لنفسه لنجد التناص ملائما للحالة النفسية للشاعر، فأتى التناص مع قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الإِِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ } (35) ، فالنص الأول يمدح به شهاب الدين محمود ، ويبين فيها شدة شوقه بلقائه ، لذا وظف الشاعر النص القرآني توظيفًا ملائمًا ، وقد مهد له بقوله (إِنْسَانُ عَيْني سَاهِرٌ بِكَ سَافِحُ) حيث السهر ودموع الشوق أملًا في اللقاء ، لذا كان هذا التمهيد بمثابة الدلالة الرمزية ، لكن نجد المفارقة المعنوية ما بين النص القرآني والنص الشعري ، فالنص القرآني يمتنع فيه الوقف عند قوله تعالى (كَادِحٌ) أما النص الشعري فيستاغ انتهاء البيت بقول الشاعر (كَادِحُ) فقد اقتطع الشاعر جزءًا من الآية القرآنية ليتم معها توظيف النص الشعري ، وفي كلا النصين تظهر معاناة الذات ، ويبرز ذلك تكرار الألفاظ (إِنْسَانُ عَيْني سَاهِرٌ بِكَ سَافِحُ) .
وعلى هذا المنوال يقول جمال الدين بن نُباتة مادحًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (36) :
وَخَبَتْ بِهِ نِيِرَانُ فارس آية ... يَدْري بهِا مِنْ قبل إِبَراهِيمُ
وَكَفَى لأُمَّتِهِ بِذَاك بِشَارة ... أن سَوف تخمد في الجنانَ جَحيم
هِيَ آيةٌ أولى ووُسْطى تَقْتَضِي ... في الحَشْرِ أُخْرَى والشَّفيَعُ كريمُ
ونبوّةٍ شفتِ القُلُوبَ وَبَيّنََتْ ... أَنَّ الكِتَابَ كَمَا رأَيتَ حَكيِمُ
يَا صَفْوةَ الرُّسُلِ الذِي لَولاَهُ لَمْ ... يَثبتُ على حَدِّ المَقَامِ كَلِيمُ
كَلاَّ وَلا سَكَنَ الجَنَانَ أبٌ وَلَمْ ... يَنْهَضْ إلى الرَّوح والمسِيحُ رَمِيمُ
أَنْتَ الخِتَامُ لَهُمْ وَأَنْتَ فَخَارُهُمْ ... وَيُمْسِكُهُ فَلْيَفْخَرِ المَخْتُومُ