بتأمل نص سيبويه السابق نكاد نقول إنّ اسمية أو فعلية"أفعل"التعجب غير محسومة عنده، وإن ذهب البصريون والكسائيُّ المتوفى سنة (189هـ) إلى أنّهما فعل ماض [1] ، فنصه يقرر أنّ"أحسن"جرى مجرى الفعل في عمله، وليس كالفعل فيما ذكر من خصائصه، بل وجعله مشبهًا بـ"لدن"و"كم"الثابتتين الاسمية، أمّا"عشرين"و"ثلاثين"فمحمولتان على"ضاربين"فعملتا كما عمل، ولا غرابة في حمل سيبويه"أفعل"التعجب على الفعل في العمل، فأدلة فعليتها تكافيء أدلة اسميتها، والرحم قوية بينها وبين"أفعل"التفضيل، فهما متّحدان صياغة وشروطًا [2] ، وحملت هذه الصيغة حيرة نحوية، واضطرابًا في تصنيفها، فسيبويه يشير إلى الصلة الحميمة بينها وبين التفضيل في المعنى [3] ، ويلحقها المبرِّد المتوفى سنة (285هـ) بالأسماء في الحكم [4] ، ويجعلها ابن السرّاج مشبّهة بالأسماء [5] ، وتتجلّى الحيرة النحوية في قول الرضي:
"ولولا انفتاح أفعل التعجّب، وانتصاب المتعجّب منه بعده انتصاب المفعول به، لكان مذهبهم جديرًا بأن ينصر" [6] .
أي المذهب الكوفي القائل باسمية"أفعل"التعجّب [7] .
والتعجّب من الناحية المعنوية تفضيل، قال ابن فارس المتوفى سنة (395هـ) :
"وأمّا التعجّب فتفضيل شخص من الأشخاص أو غيره على أضرابه بوصف" [8] .
وقال ابن الحاجب المتوفى سنة (646هـ) :
"ولا يتعجّب من شيء إلاّ وهو مفضَّل" [9] .
(1) وهي من المسائل الخلافية، ينظر الإنصاف 1/126-148.
(2) شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك: ابن عقيل، المكتبة العصرية، بيروت، 1413هـ، 1/163، 164.
(3) الكتاب 4/214.
(4) المقتضب: المبرد، تحقيق عبد الخالق عظيمة 4/178.
(5) الأصول 1/100.
(6) شرح الكافية 2/308.
(7) الإنصاف 1/126-148.
(8) الصاحبي في فقه اللغة: ابن فارس، تحقيق مصطفى الشويمي 118.
(9) شرح الكافية 2/217.