الصفحة 8 من 36

ثم مضى رحمه الله مع تفاصيل أحكام الشريعة-وفق التبويب الفقهي المعهود- يبين عللها ومصالحها ووجوه اللطف والحكمة فيها.غير أن خوضه وانهماكه في التعليلات الجزئية لا يمنعه من التوقف من حين لآخر، ليقرر المقاصد العامة والأسس الكلية للشريعة الإسلامية، و ليذكر بما ذكره عنها، كما نرى في قوله"وقد ثبتت الدلالة على غنى الله وانتفاء الحاجة والفاقة عنه، واستحالة الضرر واستجلاب النفع إلى نفسه عز وجل. فهو لا يحلل ولا يحرم لحاجة نفسه أو دفع الضر عنها أو استجلاب نفع إليها، وإنما يفعل ذلك لمنافع عباده واستصلاحهم. وما سبيله الاستصلاح، فقد تجري السياسة فيه على حظر ما يخاف بإباحته إلى استباحة ما الصلاح في حظره" [1]

ومن خلال هذا النص، ونصوص أخرى تقدمت، وأخرا لم أنقلها، يتبين لنا كثرة استعماله لمصطلحات المصلحة على أهميته.وقد ذهب بعض الدارسين-وهم في ذلك معذورون-إلى أن الإمام الغزالي هو أول من استعمل مصطلح"الاستصلاح"، ثم ظهر أن شيخه الإمام الجويني قد سبقه في ذلك، لكني كشفت عن أنهما مسبوقان معا-كما سيأتي بعد قليل-بالقاضي عبد الجبار الهمذاني، المعتزلي، المتوفي سنة 417ه.وها أنذا الآن-بتوفيق الله تعالى-أكتشف وأكشف سبق الإمام القفال الكبير، لهم جميعا.ومن يدري، لعلنا نصل إلى أبعد من هذا وأقدم.وها هو القفال نفسه يقول لنا:"وفي ابتعاث الرسل من الحكمة والمصلحة وجوه كثيرة، هي موجودة في كتب العلماء" [2]

(1) ـ محاسن الشريعة، ص 504، 505

(2) ـ نفسه ص: 122

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت