أما مجال العقائد (علم التوحيد وعلم الكلام) فقد خلا تقريبا من النظر المقاصدي، وكأن عقائد الإسلام ليس لها مقصد ولا غرض ولا ثمرة ترجى، وأن على المكلف أن يعتقدها ويعقد عليها قلبه ليس إلا. وليت الأمر وقف عند هذا الحد، فإنه قد يهون، ولكن الذي حصل ونتج عن تغييب مقاصد العقائد هو اتخاذ مقاصد غير مقاصدها،تم تنفيدها من الخصوم المناوئين، والرد عليها بما يضادها. وأدخلت العقائد الإسلامية- تلك البسيطة البريئة- في متاهات ذهنية خيالية أفقدتها قيمتها وفائدتها، وصرفتها عن مقاصدها وعن بعدها العلمي.
أنا أنطلق من أن لكل عقيدة من عقائد الإسلام (الإيمان بالله،صفات الله وأسماؤه الحسنى،النبوات،القضاء والقدر، الملائكة، اليوم الآخر، الجنة،النار، الصراط،الثواب، العذاب...) كل عقيدة من هذه العقائد، وضمنها عقائد جزئية، لها مقصودها الشرعي أو مقاصدها. وهي مقاصد-كمقاصد الأحكام التشريعية-مصرح ببعضها، أو مومأ إلى بعضها، وبعضها يدرك بالبداهة والفطرة، أو يدرك بالنظر والربط والاستنتاج. بل إن مقاصد العقائد تدرك أيضا من خلال مقاصد الشريعة مثلما العكس أيضا. فإن الشرائع والعقائد ملة واحدة ذات مقاصد واحدة.
المهم: لكي تستعيد عقائدنا وجهها الحقيقي وتؤدي دورها الحقيقي، وتستعيد موقعها الأساسي في حياتنا وعلومنا وثقافتنا، لابد من البحث في مقاصدها الشرعية، ودراستها والتعامل معها في ضوء مقاصدها تلك.
فهذا مجال كبير وبكر من مجالات (علم المقاصد) ، يحتاج إلى باحثين أفذاذ ومستكشفين رواد.
وقد انشغلت بهذا الموضوع وتهممت به منذ عدة سنوات، حيث عرجت بي بعض الناسبات على نقاشات وقراءات في بعض القضايا العقدية. وكنت فيما قبل قد تعاملت كأي طالب علم مع هذا المجال وقضاياه وتقبلته على ما هو عليه، ثم مضيت إلى شيء من التخصص والتركيز في مجالي الأصول والمقاصد وغيرهما. فلما