عدت مؤخرا إلى بعض المراجعات والمناقشات العقدية، هالني أن أجد العقائد بلا مقاصد !ونما في نفسي هم وقلق شبيه بذلك الذي عبر عنه أبو الوليد بن رشد رحمه الله بقوله:"فإن النفس مما تخلل هذه الشريعة من الأهواء الفاسدة والاعتقادات المحرفة في غاية الحزن والتألم [1] "
وأنا إلى الآن أتعجب وأتساءل: كيف ظهر في المسلمين (علم مقاصد الشريعة) ولم يظهر فيهم (علم مقاصد العقيدة) !؟
ولقد كدت أستسلم لمقولة (الواقع لا يرتفع) ، ولكن نظرا لأهمية القضية وخطورتها وشدة إلحاحها علي، بدأت أفكر وأقتنع بأن هذا الواقع لابد أن يرتفع . فإذا لم أكن أنا متخصصا في مجال العقائد ولا قادرا على التفرغ له، فلأكن فيه داعيا ومناديا. وفي هذا السياق تأتي إثارتي لهذه القضية ودعوتي إلى بحثها ومعالجتها فيما يستقبل من مسيرة البحث المقاصدي.
ثالثا: طرق إثبات المقاصد
هذا الموضوع كما لا يخفى هو مفتاح الكشف والإثبات لمقاصد الشريعة. وهو أيضا المفتاح الذي به نغلق الباب على أدعياء المقاصد والمتقولين على المقاصد، والمتقولين على الشريعة وأحكامها باسم المقاصد.
فحينما يصبح القول في مقاصد الشريعة وتحديدها وتعيينها وترتيبها عملا علميا دقيقا ومضبوطا له أصوله ومسالكه وقواعده، يمكننا أن نتقدم بثبات وثقة في مزيد من الكشف عن مقاصد الأحكام، إتماما- ولربما تصحيحا- لما قام به أسلافنا من فقهاء وغيرهم. على مر العصور.
كما أن هذا سيغلق الباب على الطفيليين ودعاة التسيب باسم المقاصد والاجتهاد،الذين أصبح شعارهم"لا نص مع الاجتهاد"و"حيثما كان رأينا فتلك هي المصلحة"و"حيثما اتجه تأويلنا وغرضنا فتلك هي مقاصد الشريعة".
(1) ـفصل المقال، ص57/58.