وعلى هذا فمقاصد الشريعة ومعرفتها ومراعاتها، ليس شيئا اكتشفه اللاحقون أو ابتكره المتأخرون، بل هو من صميم الدين، بل هو صميمه، من أول يوم ومن أول فهم.والقرآن الكريم والسنة النبوية هما أول مصرح بمقاصد الشريعة وأول منبه على أمثلتها ونماذجها الإجمالية والتفصيلية. فرغم أن أحكام الوحي لها من القداسة ومن الثقة بها والتسليم لها ما لا مزيد عليه عند المؤمنين بها، وما لا يحوجهم إلى بيان علة ولا حكمة ولا مقصد ولا مصلحة، فإن القرآن والسنة-رغم ذلك-قد بينا كثيرا من علل الأحكام ومقاصدها، في العبادات والمعاملات وسائر أبواب التشريع.وأقول كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله:"والقرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مملوآن من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح...ولو كان هذا في القرآن والسنة نحو مائة موضع أو مائتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة" [1]
ومثل هذا الموقف نجده - قبل أكثر من ثلاثة قرون من ابن القيم- عند ابن بطال في شرحه النفيس على صحيح البخاري، حيث قال عند حديث"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر".
(1) -مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة2/22، وانظر كذلك"أعلام الموقعين"1/169إلى200 وشفاء العليل2/537إلى 575