إذا كان الإمام محمد بن إدريس الشافعي قد اعتبر مؤسس"علم أصول الفقه"، بالرغم من أنه لم يدع ذلك، بل مات رحمه الله، وهو لا يعرف حتى مصطلح"علم أصول الفقه"فكذلك الشأن مع إمامنا أبي اسحاق الشاطبي الغرناطي، الذي اعتبره الكثيرون مؤسس"علم مقاصد الشريعة"بالرغم من أنه لم يدع ذلك، ولا استعمل هذا اللقب.
الإمام الشاطبي أصبح رديفا لمقاصد الشريعة، فلا يكاد يذكر إلا ذكرت معه، و لا تذكر إلا ذكر معها.
وقد طارت شهرته وذاع صيته، وكتب عنه في زمننا من المؤلفات ومن الأبحاث والمقالات ما لا يكاد يحصى. فلذلك ليس من اللائق أن أطيل وأفصل في الحديث عنه وعن مكانته في الشريعة، لاسيما وأنني أحد الذين كتبوا كتبا عن الشاطبي. [1]
ولكن هذا لا يمنع من ذكر رؤوس بعض المسائل
-المسألة الأولى ما جاء في عنوان هذه الفقرة، وهو تأسيس"علم مقاصد الشريعة".
فكل الذين يؤمنون بانبثاق هذا العلم وتميزه، أو يؤمنون بضرورة ذلك وفائدته، أو أنه آخذ طريقه نحو التبلور والاستقلال ، كل هؤلاء يعتبرون أن عمل الشاطبي كان عملا تأسيسيا في هذا المضمار.
وقد اشتهر العلامة محمد الطاهر ابن عاشور بأنه أول من دعا إلى تأسيس علم جديد، يستقل عن علم أصول الفقه ويتكامل معه، هو (علم مقاصد الشريعة) . ولكنه هو نفسه يردف قائلا بعد دعوته تلك:
(1) ـ أعني بذلك كتابي (نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي)