الصفحة 23 من 36

إذا كان الإمام الغزالي قد تحدث كثيرا عن الضروريات الخمس، واشتهرت على يده تسميتها وأمثلتها ومكملاتها، وكذلك ترتيبها، على هذا النحو: (الدين والنفس، والعقل، والنسل، والمال) فإن سيف الدين الآمري قد يكون الأول الذي توقف عند مسألة ترتيب الضروريات الخمس، فناقش وعلل وعدل. وقد اختار تقديم النسل على العقل، [1] خلافا للغزالي الذي دأب على تقديم العقل على النسل.

أما بقية الأصوليين التقليديين من مختلف المذاهب، فلا نكاد نجد عندهم شيئا يستحق التسجيل والذكر.بل نجد مصنفاتهم -على العموم- تمثل تراجعا ونزولا مستمرا نحو الصورية والعقم والانحطاط عن المستوى الأصولي والمقاصدي الذي وصله الجويني والغزالي.

لكن بجانب هذا الخط الأصولي التقليدي، وربما خروجا عليه، نجد في هذه الحقبة عددا من فطاحل العلماء المتحررين المجددين.فبعض هؤلاء استمر معهم النمو والازدهار للفكر المقاصدي تنظيرا وتطبيقا، حتى وصل الأمر إلى الشاطبي.

وأذكر من هؤلاء على وجه الخصوص:ابن عبد السلام و تلميذه القرافي، ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.

ومن بين هؤلاء، يتميز الإمام عز الدين بن عبد السلام، بشيء لم يفعله أحد قبله ولا بعده في العصور السابقة، وهو تناوله المفصل والمعمق ـ النظري والتطبيقي- لموضوع المصالح والمفاسد، وذلك في كتابه"قواعد الأحكام في مصالح الأنام"، وهو محقق مطبوع متداول، فلا أطيل في التعريف به ولا في تحليل مضامينه. [2]

وفي هذه الحقبة أيضا نجد تصنيف كتابا آخر على النمط الفقهي التعليلي، وهو (محاسن الاسلام وشرائع الاسلام) للفقيه الحنفي أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمان البخاري (ت546) ، وهو يشبه-اسما ومضمونا- كتاب (محاسن الشريعة) للقفال الكبير، إلا أنه متأخر عنه زمنا ومستوى.

الشاطبي مؤسس علم المقاصد

(1) ـ الإحكام 4/380

(2) ـ وانظر أطروحة الدكتور عمر بن صالح بن عمر (مقاصد الشريعة عند الإمام عز الدين بن عبد السلام)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت