الصفحة 18 من 36

وبما أن مصطلح الحاجة- خلافا لمصطلح الضرورة- يكتنفه الغموض والإبهام، فقد عمل على ضبطه وتحديد مضمونه، خاصة وأن الأمر يتعلق بتنزيل الحاجة منزلة الضرورة في الترخصات واستباحة المحرمات. قال رحمه الله:"فإذا تقرر أن المرعي الحاجة، فإن الحاجة لفظة مبهمة لا يضبط فيها قول. والمقدار الذي بان أن الضرورة وخوف الروح (أي خوف الموت) ليس مشروطا فيما نحن فيه كما يشترط في تفاصيل الشرع في الآحاد (أي في حق الأفراد) ، في إباحة الميتة وطعام الغير.وليس من الممكن أن نأتي بعبارة عن الحاجة تضبطها ضبط التخصيص والتنصيص، كما تتميز المسميات والملقبات بذكر أسمائها و ألقابها، ولكن أقصى الإمكان في ذلك من البيان تقريب وحسن ترتيب ينبه عن الغرض..." [1]

والحقيقة أنه ضبط هذا المصطلح ضبطا علميا محكما، أكثر ضبطا وإحكاما حتى من الذين جاؤوا بعده كالغزلي والشاطبي، فقال:"لسنا نعني بالحاجة تشوق الناس إلى الطعام وتشوفها إليه، فرب مشته لشيء لا يضره الانكفاف عنه، فلا معتبر بالتشهي والتشوف."

فالمرعي إذا دفع الضرر واستمرار الناس على ما يقيم قواهم...فاقتطعنا من الإبهام التشوف والتشهي المحض من غير فرض ضرار من الانكفاف عن الطعام وقد لا يستعقب ضعفا ووهنا عاجزا عن التقلب في الحال، ولكن إذا تكرر الصبر على ذلك الحد من الجوع أورث ضعفا، فلا نكلف هذا الضرب من الامتناع.ويتحصل من مجموع ما نفينا وأثبتنا أن الناس يأخدون ما لو تركوه لتضرروا في الحال أو المآل..." [2] "

وحتى مصطلح"مقاصد الشريعة"- بهذين اللفظين أو بهذا اللقب الإضافي- فإن أقدم استعمال له أعرفه و أذكره هو استعمال الجويني.

(1) ـ الغياثي: 295 - 296

(2) ـ نفسه، 296

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت