ثم إذا جئنا إلى هذا القسم الخامس، نجد أنه قد قسمه -ضمنيا- إلى ما يعلل تعليلا إجماليا وإلى ما لا تعليل له، فيجب إلحاقه بأحد الأقسام الثلاثة، فهو إما من الضروريات، وإما من الحاجيات، وإما من المحاسن.وما تعذر تعليله، فهو ليس مما نحن فيه، أي تقسيم العلل.فلا يبقى عند التحقيق إلا ثلاثة أقسام...
والذي أريد أن أخلص إليه من هذا:هو أن إمام الحرمين رحمه الله، هو صاحب الفضل و السبق في التقسيم الثلاثي لمقاصد الشارع (الضروريات-الحاجيات-التحسينيات) ، وهو التقسيم الذي أصبح من أسس الكلام في المصالح الشرعية.
2-الضروريات الخمس
لقد دأب العلماء عامة-والمقاصديون منهم خاصة-على اعتبار الضروريات الخمس (الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال) أسس الشريعة ومصالحها الكلية .وقد تحددت هذه الضروريات انحصرت واستقرت على هذا النحو منذ الإمام الغزالي، وأصبحت مند ئذ أسسا من أسس أي كلام في مقاصد الشريعة.
وإمام الحرمين هو أحد السباقين إلى إدراكها والتنبيه عليها.ومن إشارته في هذه المسألة ما جاء في قوله:"فالشريعة متضمنها مأمور به، ومنهي عنه، ومباح."
فأما المأمور به: فمعظمه العبادات... وأما المنهيات فأثبت الشرع في الموبقات منها زواجر...وبالجملة: الدم معصوم بالقصاص...والفروج معصومة بالحدود...والأموال معصومة عن السراق بالقطع... [1]
فهو في هذا النص قد نبه على حفظ الدين بالعبادات، وعلى حفظ النفس بالقصاص، وعلى حفظ النسل والعرض بحد الزنا وحد القذف، وعلى حفظ المال بالقطع.وبهذا يأتي الجويني في الدرجة الثانية بعد العامري- زمنا ووضوحا-في تحديد هذه الضروريات والتنبيه على أساسها.
وإن ما عرفته هذه الضروريات من تتميم وتهذيب، ومن تأصيل وتفصيل، على يد اللاحقين-الغزالي فمن بعده-مهما كانت قيمته يبقى مدينا للرواد الأوائل-العامري والجويني، وربما غيرهما- الذين تفتقت فطنتهم ونباهتهم عن هذه الملاحظات والاستنتاجات الرائدة.
(1) ـ البرهان