إذا تجاوزنا الإمام أبا إسحاق الشاطبي الذي قدر له أن يتربع على عرش مقاصد الشريعة منذ القرن الثامن الهجري (ت790) ، فإن العارفين بهذا الشأن يجمعون على أن صاحب والريادة في هذا الفن، هو إمام الحرمين، الجويني.
وإذا كان إما الحرمين لم يفرد مقاصد الشريعة بمؤلف خاص أو شبه خاص، كما فعل علماء آخرون قبله وبعده، فإن مؤلفاته جاءت مشحونة بقضايا مقاصد الشريعة، كلياتها وجزيئاتها. وجاءت شاهدة على نظر مقاصدي ثاقب وفكر مقاصدي ناضج.وتلك هي الإمامة التي ائتم به فيها كبار المقاصديين من بعده، فكرروا ما قرره، وأتموا ما بدأه، وصاروا على نهجه ونسجوا على منواله.
إسهامات تأسيسية لإمام الحرمين في الفكر المقاصدي
الأعمال التأسيسية مهما تكن قلتها و محدوديتها، و مهما يكن من قصورها و عدم كفايتها، و مهما يرد عليها من ملاحظات و استدراكات ، فإنها تظل أعمالا عظيمة لا يأتي بها إلا العظماء المبدعون. و من هؤلاء إمام الحرمين.و في ما يلي بعض إسهاماته المقاصدية التي تمتاز بالسبق و الإبتكار في هذا المضمار. ...
1-الضروريات و الحاجيات ...
لقد أصبح من المعتاد تقسيم المقاصد الشرعية و مصالحها المرعية إلى ضروريات، و حاجيات، وتحسينات. كما أصبح من المعتاد اللجوء و الاحتكام إلى هذا التقسيم لتمييز مراتب المصالح و معرفة ما يقدم و ما يؤ خر، و ما يعتبر فيه الترخيص و ما لا يعتبر، و ما يمكن تفويته و ما لا يمكن...إلى غير ذلك مما يترتب على هذا التقسيم من قواعد و تطبيقات أصولية و فقهية...هذا التقسيم نجده و نجد أساسه-أول ما نجد-عند إمام الحرمين، و ذلك في باب تقاسيم العلل و الأصول من كتاب القياس في (البرهان) . فبعد أن عرض آراء العلماء فيما يعلل و ما لا يعلل من أحكام الشرع، و ذكر نماذج لتعليلاتهم، و أثر كل ذلك في إجراء الأقيسة في الأحكام...قال:"هذا الذي ذكره هؤلاء أصول الشريعة. و نحن نقسمها خمسة أقسام..." [1]
(1) ـ البرهان، 2/923